ديمقراطيتنا أفق، وديمقراطيتهم أفك

single

انتعشت الديمقراطية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.. وحمت الشعوب الأوروبيّة الفكر الديمقراطيّ ببناء المؤسسات، وبالفصل بين السلطات، وبتقييد يد السلطة التنفيذيّة بقوانين دستوريّة، وبإقامة النقابات، وبرفع المستوى الثقافي والتربوي.
 لا أنكر بأنّ اليهود الذين قدموا من أوروبا للاستيطان في فلسطين ، بعد الحرب العالمية الثانية، قد تأثّروا بالشعارات وبالأفكار الديمقراطية المتنامية في أوربا المنكوبة وقتئذ.
لكنّ غالبيتهم مرّوا بجانب الديمقراطيّة كغرباء وظنّوا أنّهم ذوّتوها، وتصرّفوا كمن يحمل عبئا ثقيلا ليبرّر اغتصاب وطن. وأصبحت حالتهم كمن أحضر سمكا إلى زوجته لتطبخه، لكنّه نام... فأكلت زوجته وجاراتها السمك، ومسحن شفتي الزوج المغفّل، وأطراف أصابعه ببقايا السمك وهو نائم، ولمّا استيقظ طلب السمك.
فقالت زوجته: أنسيت أنّك أكلتها ونمت ولم تغسل يديك؟
فقرّب الزوج يديه من أنفه فشمّ رائحة السمك فقال: ما رأيت سمكا أخفّ على المعدة من هذا السمك، وقد جعت فهيّئوا لي الطعام!
هكذا هي حكومات إسرائيل المتعاقبة تشمّ رائحة الديمقراطيّة وتطلب الفاشيّة غذاء لإشباع معدتها وسدّ جشعها السياسي!
مؤخّرا وافقت اللجنة الدستورية في الكنيست الإسرائيلي ،على تشريع قانون يكبّل حريّة الصحافة ويكمّ أفواه الصحفيين بقوانين أشدّ شراسة من مبضع الرقابة، وذلك بتغريمها بالمبالغ المالية المنهكة لصدورها ولنموّها، إذا ما ثبتت عليها دعوى التشهير.
فلنتصوّر كيف سيكون حال الإثباتات والادّعاءات... ،  خصوصا بعد سنّ "قانون المقاطعة"؛ الذي يمنع الإسرائيليين من مقاطعة المستوطنين والمستوطنات و...
مع وجود العديد من القضاة المستوطنين الذين يعملون في مختلف المحاكم الإسرائيليّة؟!
لذلك لا أستغرب أن يغرّم مستوطن-قاضٍ في محكمة العدل العليا الصحفيّة إيلانا ديّان، مقدمة برنامج "الحقيقة"  (عوبدا) ، بـ300 ألف شاقل، لأنّها نشرت تحقيقا تلفزيونيّا كشف عن حيثيات جريمة مقتل الفتاة إيمان الهمس، في سنة 2004.
يعجّ البرلمان الإسرائيلي بأعضاء كنيست من اليمين المتطرّف المناهضين للديمقراطيّة، الذين يسعون إلى محو وسحق بقايا الديمقراطيّة الغربيّة والحقوق المدنيّة التي علقت على أصابع آبائهم وشفاههم كضريبة كلاميّة وكبقايا السمك! فديمقراطيتهم إفك!
إنّ الوضع الاقتصادي الصعب للصحافة الإسرائيليّة يجعلها عاجزة عن دفع غرامات التشهير الباهظة، التي تصل الواحدة منها إلى 500 ألف شاقل، هذا ما سيضطرها إلى التغاضي عن التجاوزات الدستوريّة والمدنيّة والأخلاقيّة للمسؤولين الأمنيين والسياسيين ولأصحاب رؤوس المال والمستوطنين.
من الواضح أنّ طغيان الفاشيّة الإسرائيليّة لم يكن موجة عابرة، إذ إنّه ينتشر بعمليّة هادئة وطبيعيّة وشرعيّة وبدون هزّات تقريبا،  وبدون تطويق المؤسسات الديمقراطية بالدبابات.
 لقد باتت الفاشيّة وقدسيّة يهوديّة الدولة الإسرائيليّة تنتمي إلى الواقع الإسرائيلي المتميّز بالقوميّة المتطرفة وبالعسكريّة، وباحتقار الديمقراطيّة والليبراليّة، وبالعداء لليسار وللعرب.
 فالفاشيّة في الأوساط اليمينيّة غدت سيرورة حلّ لإشكالات الهويّة والانتماء، ومصدر نفوذ سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ؛ يظهر هذا جليّا في المستوطنات الكولونياليّة حيث تتغذّى الفاشية وتنمو وتتطوّر كظاهرة طبيعيّة وكميزة اجتماعيّة للتميّز العرقيّ، وللتفوّق الذهنيّ الكافر بالقيم الإنسانيّة.
 يعتقد غالبية اليهود في إسرائيل، كأفراد قبيلة لها حقوق تختلف عن حقوقي، انّ حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو خدعة للقضاء على إسرائيل!
 لكنّ أفقنا الديمقراطي يمنعنا من التفكير بالقضاء على إسرائيل؛ فأفقنا غير إفكهم!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الانتماء الفكري هو الأساس لكل موقف

featured

ذكراك الطيبة باقية يا ابا الشربت!

featured

لترميم شارع اقرث وعودة اهلها المهجرين

featured

حبيبنا الباقي فينا بقاء الحياة

featured

لكلّ عينٍ مشهد

featured

أنا رايح عَ الكنيست

featured

سلكنا طريقا وعرة وتجاوزنا العقبات التمييزية والعنصرية