سعادة الرأي العام

single
الرأي العام هو طفل مدلّل، يجب أن تواجهه بكثير من الصبر، ولا أقل من ذلك يجب أن تقول له، في مواقف معينة: لا. هذا أفضل له، أفضل لك وللعائلة والمجتمع. الطفل لا يدرك، أحيانا، عواقب تنفيذ طلباته. حدثتني أمي رحمها الله، وأكد ذلك آخرون، أنني عندما كنت في الرابعة من عمري، حملت شحويطة وقلت لجدّي: "أصيبو؟!"، ربما لم يدرك جدي والقاعدون في المجلس ماذا قصدت، وربما أرادوا التخلص من إلحاحي، المهم أن هنالك من قال: "خلّصنا..صيبو!"، فما كان منّي حسب ما رواه الرواة، إلا أن وجّهت تسديدة ماهرة "بالشحويطة" الى القنديل الذي إنطفأ وعاش القوم في حيص بيص، وفقط بعد مدة غير قليلة تم إصلاح القنديل وعاد النور ليكشف عن عواقب "الإصابة".
مطلوب من الوالد أن يمنع ابنه، الذي يريد تقليد سوبرمان، أن يقفز من على الطاولة العالية. قد يزعل الطفل كثيرا على أبيه المحافظ، ولكنه سيزعل أكثر، وربما لن يستطيع أن يزعل أبدًا، إذا سمح له الأب أن يفعل ما يريد. وسيزعل المجتمع على الأب كثيرا لأن من هذا الموقع، موقع الأب أو موقع القائد، كما قال شارون في حينه، تبدو الأمور بشكل مختلف.
وفي حينه قلنا إنه قبل أن تحاكموا رئيس الحكومة أولمرت على دوره  الإجرامي في "حرب لبنان الثانية"، هنالك حاجة لمحاكمة الإعلام العبري والجهاز السياسي والرأي العام، على دورهم "التحفيزي" في جوقة الحرب. راجعوا الصحف في اليوم الأول من الحرب: الجميع يريد الانتقام، الصحافة وقرى خط الحدود وحتى اليسار. وأكثر من هذا فقد أعلن الرأي العام، بإباء وشمم، إنه مستعد لدفع الثمن، حتى لو وصلت الصواريخ الى حيفا وتل أبيب..عندما "وقع الفاس بالراس"، وتبين أن الحرب ليست نزهة في جادة بن غوريون في حيفا، تنصل الجميع من المسؤولية.
لذلك، لا توجد خدعة أكبر مما يُسمى "الرأي العام". لأن كل "العنتريات" تذوب أمام أول أشعة لشمس الواقع الملتهبة. في يوم ما يريد هذا "الرأي العام" أن يحرق الأخضر واليابس، وفي اليوم الثاني، حين تحل روح التسامح عليه، يهتف بأعلى صوته جذلا: "يالله صُلحة" (كما هو الحال في دعاية الحمص).
يقول "الرأي العام" لنا وبصراحة: "لماذا تعتبون علي، فأنا لا أملك معاهد أبحاث ولا أعقد الاجتماعات المطولة، ولا أبني سيناريوهات مستقبلية، ورد فعلي"، يقول صديقنا الرأي العام، "هو آني، ووظيفتي أن أقول ما أشعر به في اللحظة العينية، أما اتخاذ القرارات فهي من وظيفة الزعيم." ولذلك، إذا اعتقد الزعيم أن وظيفته هي تنفيذ ما يقوله الشارع في لحظة الغضب/ الفرح، فنحن في غنى عن هذه الوظيفة. واجب الزعيم أن يصب الماء البارد على الرؤوس الحامية؛ أن يعمل حساب 100 خطوة الى الأمام، وإلا فسيجد أمامه نفس "الرأي العام" وهو يهتف وبنفس الحماس: لماذا لم تتروّ؟ وبنفس السرعة سيطالب باستقالته، لماذا؟ لأنه.. استجاب لهم.
حدثني أحدهم عن زعيم تمتع بحس قيادي فطري، وعندما كان يشعر أن زمام الأمور سيفلت كان يقوم بإصدار بيان ناري، كل ذلك بهدف تفويت الفرصة على أصحاب الرؤوس الحامية لئلا يوقعوا الجماهير في "مطبّات" هي في غنى عنها. ولذلك فالحديث هنا عن أولمرت هو في إطار "بحكيلك يا جارة لتسمعي يا كنة". فهنالك لدينا، في موقع المسؤولية الجماهيرية، من يطوش على شبر ماء، في كل مناسبة وأحيانًا بدون مناسبة. فإذا كان "شبر الماء" ثقيلا لدرجة أن هنالك من يطوشون عليه، فالعتب ليس على شبر الماء، فطبيعة شبر الماء أن "يطوّش" على سطحه من وزنهم النوعي خفيف. ولذلك فنداؤنا هنا موجّه لأصحاب الوزن النوعي الخفيف، الذين يطوشون على كل نقطة ماء، بأن يثقلوا ولو قليلا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"بوظة الاستقلال": حدث حقيقي

featured

بين الطاعة والاحترام

featured

اغتصاب لإرادة المحكمة العليا

featured

مليّف ومكفكف

featured

الحلم والحجر.!

featured

على اليسار أو اليمين

featured

الشباب في ساحات النضال