على اليسار أو اليمين

single
بين الحكايات التي ينشط تداولها كلما وقع ما يذكّر بها ترد حكاية الرجل الذي كان اسمه حسين الجحش. هذا الرجل توالت عليه النصائح من أصدقائه: غيّر اسمك! فتردد في الاستجابة، فاسم الإنسان عزيز عليه، وبقي متردداً إلى أن صارت النصائح ضغوطاً لم يملك أن يتجاهلها، فسمّى حسين الجحش نفسه حسن الجحش.
ما ذكَّرني بالحكاية الآن هو هذا الذي جرى للمجلس الوطني السوري. فالمجلس الذي أريد له أن يقود المعارضة ويمثل شعب سورية  أنشئ خارج البلد، أنشأه حكام البلاد المجنّدون لمناوءة حكام سورية، وبرز في مقدمة منشئيه الكثيرين حكامُ بلدين: تركيا التي يحكمها إخوان الإخوان المسلمين؛ وقطر التي يحكمها شيخُ قبيلة بمرتبة أمير وزوجة لهذا الشيخ  بمرتبة شيخة وقريب للشيخ يشغل منصبين ظاهرين، فهو رئيس وزراء ووزير خارجية، فضلا عن ما  يشغله من مناصب أخرى ظاهرة أو خفية. وهؤلاء الثلاثة ومن على شاكلتهم في قطر يحتضنون الإخوان المسلمين السوريين وغير السوريين، ويموّلونهم، ويفتحون لهم الأبواب المغلقة ويوسعون الأبواب المفتوحة.
حكام قطر، هؤلاء، وهم الذين لعبوا الدور الأول في تشكيل المجلس لحساب الراغبين في تشكيله كلّهم، تلقوا نصيحة من مفكر عربي له مرتبة مستشار الأمير، واقنعوا حكام تركيا بقبول النصيحة التي وافقت عليها راعية الجميع الإدارة الأميركية. فصار مفكر آخر هو برهان غليون رئيساً للمجلس. وبهذا، وهذا هو ما جعل النصيحة مقبولة، صار علمانيٌّ مشهور غطاءً لمجلس يملك الإخوان المسلمون الأغلبية فيه ويهيمنون عليه. هذا عنى أن أكاديمياً من أصل سوري، عاش سعيداً في فرنسا منذ شبابه، وليس له في سورية أي وزن سياسي، صار غطاء للإخوان المسلمين المبغوضين في هذا البلد، وغير المتمتعين بوزن سياسي يُعتدُّ به، إلا الوزن الذي يصطنعه لهم الدعم الخارجي متعدد الأشكال. وهذا دعم توفره للإخوان المسلمين السوريين أطرافٌ كثيرة، تتصدرها هذه الأيام الإدارة الأميركية التي تريد جعل الإخوان المسلمين مخلب القط المناوئ لمن لا ترضى هذه الإدارة عنه والممالئ لمن ترضى عنهم.
اللعبة التي توهَّم المنهمكون في أدائها أنهم أحكموا تصميمها لم تنطلِ على المعارضين السوريين الأصحاح، هؤلاء الذين نشطوا لتطوير سورية في نحو يليق بمستوى قدرتها على التطور، أي بما يُحقق لشعبها ما تتمتع به الشعوب العريقة. وقد رأى هؤلاء في توفير أغلبية مفبركة للإخوان المسلمين ومن على شاكلتهم إشارةً مؤكدة الدلالة على أن هدف المفبركين هو دفع سورية إلى وراء وليس إلى أمام. وبهذا، كما بسواه من الأسباب، فشل المجلس في اكتساب التأييد الشعبي اللازم لاستمرار دوره، وخابت الآمال التي راودت منشئيه، وساءت سمعته، وأودت المشاحنات المتواترة بين أعضائه بتماسكه، وصار اسمه رمزاً لأشياء سلبية كثيرة، من بينها التبعية والارتزاق ونشدان ما يأباه شعب سورية.
وكما حدث لرجل الحكاية حسين الجحش، توالت النصائح على المجلس، وتحوّلت النصائح إلى ضغوط، وأملت الضغوط التي أجّجها اطراد الفشل قراراً أميركياً أفصحت عنه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ونفّذه خدام الولايات المتحدة. وفي قطر ذاتها، هذه المرة، وليس في اسطنبول، كما في المرة السابقة، انعقد الاجتماع الذي جاء بالاسم الجديد فجعله الائتلاف الوطني، دون أن يعلن وفاة المجلس، ودون أن يقترن التجديد، بأي تبدل في أي شيء مما سوّأ سمعة هذا المجلس.
وهكذا، حل اسم الائتلاف محل اسم المجلس فيما الحال باق على ما كان عليه: تجميع لقوى وشخصيات غير متجانسة، واستمرار الأغلبية  في أيدي الإخوان المسلمين ومن على شاكلتهم، واستبعاد المعارضين الأصحاح ومخالفة برنامجهم لتطوير البلد، وتأكيد سمات التبعية والارتزاق، والتعويل على التدخل العسكري الأطلسي، وما إلى ذلك مما تأباه جمهرة شعب سورية. الجحش بقي جحشًا حتى بعد أن تبدّل اسمه الأول. والمجلس المتكئ على أعداء بلده وأعداء تطورها إلى أمام بقي هو هو، بعد أن حمل هو ذاته اسمًا معدَّلاً.
إلى أين سيُفضي هذا العبث المأساوي بالشأن السوري كلّه؟ وما الذي سينجم من هذا التحالف المصطنع بين قوى تسلك، هي ذاتها، على أساس أن القرار بشأن مستقبل البلد ليس في يدها هي بل في يد أعدائه؟ وهل مما يخالف طبائع الأمور أن تخشى أغلبية السوريين مغبة هذا التحالف أكثر مما يخشى مناوئو النظام الحاكم استمرار هذا النظام؟ ألسنا نشهد نتائج استمرار هذا العبث المأساوي كما هي ماثلة على أرض الواقع؟ وهل يُظهر الواقع العياني، كما تشكَّل خلال ما كاد يبلغ عاملين متصلين، شيئاً مختلفاً عن ما توقعه المعارضون الأصحاح، هؤلاء الذين جزموا، منذ البداية، أن عسكرة الحراك الشعبي الذي بدأ ديمقراطياً سلمياً، والارتكان إلى الخارج المعادي لكل ما هو ديمقراطي، وتسليط المسلحين، العقيديين منهم والمرتزقة، على الجمهور الرافض لسلوكهم، لن تجلب إلا الكوارث، إلا تدمير البلد وإخراجه من معادلة أي قوة في منطقة يُراد للقوة الإسرائيلية أن تكون الوحيدة القادرة على العربدة فيها؟
بلغة التراث، تكرّر القول إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وما بينهما مشتبهات. وبتطبيق هذا القول على الشأن السوري، يمكن الحكم بأن حرام التدخل الأطلسي بيّن، وحلال السعي لتعزيز التطور الديمقراطي بيّن هو الآخر، وإن ما بينهما مشتبهات. أما باللغة الحديثة، فالمؤكد أن حق الشعب السوري في التمتع بما تتمتع به الشعوب العريقة هو حق لا حدود لضرورة تطبيقه، وأن مناوأة النظام الذي يتجاهل هذا الحق لن تفلح إلا إذا تولّاها المؤمنون به، وليس الذين يضيقون بهذا الحق أكثر مما يضيق به ناس النظام.
بكلمات قليلة: هم في سورية إزاء نظام سيُفلح من يناوئه ببرنامج على يسار برنامجه، ببرنامج أكثر تقدماً، وسيفشل أصحاب البرامج التي تناوئ النظام من على يمينه.
قد يهمّكم أيضا..
featured

" على حفاري القبور "

featured

"مجنون" عاقل؟!!

featured

يوم مشرق من الاحتجاج

featured

اشتداد ساعد أم انقياد سياسيّ

featured

نتائج الانتخابات التشريعية في إسرائيل وملامح المستقبل..!

featured

هل اصبح ياهف مهرجا؟ من يدعي احترام الجماهير العربية عليه ان يحترم حقوقها !

featured

كل عيد زواج وأنت بخير

featured

إرهاب رسمي باسم "الأمن"