في مثل هذا الزمن، الذي تريده "أياد شيطانية" ان يبقى زمنا داعرا مسعورا، زمنا ينهش "لحم" شعوبهم، ليحمي بالمقابل وحشية احتكاراتهم وجشعهم الذي لا حدود له.
نقول، في مثل هذا الواقع الهجين، الذي بدأت تغيب فيه "القاعدة" ويتسيّد "الاستثناء" بمعناه السلبي البغيض، لا بد من وقفة تأملية تتكئ على صحوة واعية، لنعيد النظر في دلالة ومفهوم بعض المصطلحات التي تأطّرت واختُزلت في موضوع واحد، موضوع حال دون القاء الضوء عليها من جوانب، قد تبدو للوهلة الاولى غريبة، مع انها تسكن كبد حقيقتها بالمعنى الايجابي...
"فالمجنون" في نظر المجتمع، قارئاتي وقرائي، في هذا الصباح الذي نصلي ان يكون عاقلا، هو انسان يسلك سلوكا يختلف عن السلوك المتعارف عليه، وهو بالتالي ينفصل عن مجتمعه، ويصبح خطرا في الحالات الحادة، ولذا يُعزل لحماية سواه، ومحاولة علاجه!!
وهنا جاء الدكتور لينغ، صاحب كتاب "عصفور الجنة ومبادئ التجربة" ليقلب الامور رأسا على عقب، كيف؟! فلتقرأ ما يقوله: "المجنون ليس مريضا مصابا بجراثيم معينة، اذ ليست هناك جراثيم "للجنون"!! ثم يضيف: "اختلاف سلوك الفرد ليس بالضرورة، برهانا على اختلال تفكيره حيث لا توجد وسيلة تستطيع ابدًا الوصول الى معرفة ما يدور في اعماق أي انسان!! ونحن دائما نحاول تخمين ذلك عبر مراقبة سلوكه..
وللتوضيح يعود بنا الى قصة الجندي الذي القى القنبلة الذرية في هيروشيما، فالدكتور لينغ لم يرَ اية غرابة حين قرأ انه جُن، ولنعرف لماذا؟ نواصل قراءة ما قاله: "ان يرمي هذا الضابط بالقنبلة ويعود الى قاعدته، كأن شيئا لم يكن، ويتابع حياته بسلام! هو التصرف السليم من وجهة نظر المجتمع!! اما ان يعود، بعد هول الجريمة، الى قاعدته يهذي، وقد فقد سلوكه كل منطق متعارف عليه، فذلك يعني في نظر المجتمع انه صار "مجنونا"!!
بوصوله الى هذه النقطة، يطرح الدكتور لينغ سؤاله الهام! في أي الحالتين نشعر بان هذا الضابط اقرب الى انسانيته؟ في حالة انسجامه مع القنبلة، يعني اوامر المجتمع!! الذي جعله يلقيها! ام انه اقرب الى انسانيته، حينما انشق بطريقته الخاصة عن ذلك المجتمع وصار يدعى "مجنونا"؟
ولأن حاضر يومنا لا يختلف عن واقع ذاك الامس، فالعنف في مجتمعنا العربي تنداح دائرة استشرائه ساعة تلو ساعة، ونحن، ربما رغما عنا، نسير بهدي "بوصلة" "السوق" والفكر الاستهلاكي الجشع، وان لم نكبح عجلات عربة هذا التدهور فنحن لا سمح الله تعالى، سائرون الى التهلكة والدمار لا محالة!
لذلك نقول: صباح الخير للفيلسوف الانساني برتراند راسل ولكوكبة المناضلين في مجتمعنا، الذين يرفضون لانسانهم العربي، هذا الواقع المنذور للدمار، ويعملون، ليل نهار، لاصطياد لحظة الشفاء له، ليعيدوه الى صوابه وانسانيته الاصيلة....
