سنستحي من أنفسنا!

single

ربما يأتي يوم يسأل فيه شباب إسرائيليون، ليس واحداً أو اثنين بل جيل كامل، الآباء كيف استطعتم ذلك؟ إذا سئل هذا السؤال فإن وضعنا سيكون أفضل لأنه يشير إلى مرحلة ما بعد القطيع في الواقع الإسرائيلي. فقط لا نعرف متى سيتم هذا الامر، بعد خمسين أو سبعين سنة؟ إلى أي درجة من الانحطاط للقطيعية برغبتنا، الشريرة والراضية عن نفسها، علينا أن نصل قبل أن يهتز الشباب مما قام به الآباء والاجداد ويتوقفوا عن تقليدهم. التقليد هو أيضاً تطوير.
لنسمح بلحظة من التفاؤل لأنفسنا ونفترض أن هذا السؤال سيسأل قبل أن يصبح الوقت متأخراً جداً. مع القليل من التفاؤل أن هؤلاء سيكونون في عمر أربع سنوات اليوم أو أنهم سيولدون بعد بضعة أشهر.
سؤال كيف استطعتم سينقسم إلى عدة أسئلة فرعية. مثل: لماذا وافقتم؟ هل لم تعرفوا حقا؟ لا تقولوا هراء، حيث أن المعلومات نشرت عند لحظة وقوعها وبشكل غزير، لم يكن عليكم الانتظار إلى أن يتم إطلاق سراح أحد من معسكر الاعمال الشاقة في سيبيريا وبعد بضعة أشهر يقف أمام الباب ويتحدث، لماذا لم يكن الامر يهمكم؟ لماذا صمتم؟ كيف استطعتم الخروج إلى نزهات في أيام السبت ومشاهدة الافلام في التلفاز والذهاب إلى التسوق في المجمع التجاري الجديد وإعداد رسالة الماجستير حول أجهزة القمع الروسية أو إدارة أعمالكم من البيت واختيار مقطوعات موسيقية وعروض في لندن والذهاب في كل أسبوع إلى مباراة لكرة القدم، وأيضاً صيانة البيت وكأن كل شيء عادي؟.
والدان ربما سيكونان محرجين ويقولان: «افهمي، لم نكن نحن فقط هكذا، أيضاً الجارة عدينة التي كانت بروفيسورة معروفة في تاريخ اللاسامية، عاشت كالمعتاد، بين رحلات إلى الخارج ومحادثات قصيرة في البقالة ومقابلات في الاذاعة والتلفاز. هي أيضاً صمتت بشأن هذه الأمور، ورغبت في الاستماع إلى السمفونية الأخيرة لبتهوفن وبارتوك». عندها تقوم الأم بتصحيح الأب: «ما الذي تقوله؟ هي لم تكن خبيرة باللاسامية، بل بأصناف من الفراشات المنقرضة». النقاش بينهما سيذهب إلى نقاشات أخرى وهكذا ينجحان في التملص من السؤال الذي وجهته البنت.
والدان آخران ربما سيعتذران. «افهموا»، سيقولان، «لقد خفنا من الإرهاب». والاولاد يصعبون الامر: «كيف يتحول النضال ضد الإرهاب إلى تدمير أنابيب المياه وآبار جمع مياه الامطار وحصص مياه الشرب لمجموعات سكانية معينة من بني البشر، في الوقت الذي نتمتع فيه بوفرة المياه؟». الأب ينفعل ويقول «أنا غير مسؤول عن حصص المياه، حول هذا اسألوا أبناء مردخاي وأوري ووزير البنى التحتية». الابن، سنغفر له انفعاله لأنه في جيل المراهقة، يصرخ: «لكنك كنت تقود الجرافة التي دمرت آباء المياه، جدي قال لي هذا بتفاخر قبل موته». الأب يقوم بالتصحيح: «لقد كانت جرافة صغيرة لا كبيرة، وأنا كنت من الجنود الذين صوبوا البنادق نحو الحشرات الصغيرة التي لم ترشق الحجارة على السائقين».
شهادات التقدير لكبار الضباط في الإدارة المدنية ستعلق في الصالونات إلى أن تأتي البنات ويزلنها عن الحائط بغضب. كيف دمرت قرى وطردت سكانها، صرخت البنت وهي تبكي، وبكاؤها يزداد فقط عندما تسمع الاجابة: «لقد قمت بتنفيذ الأوامر». كيف منعت آلاف الطلاب من السفر عندما أرادوا الدراسة في جامعة أفضل؟ صرخت واحدة أخرى وتخرج من البيت بعد إغلاق الباب عندما تسمع نفس الاجابة «فقط أنا نفذت الأوامر». ولكنك وافقت على حبس مليوني إنسان، همست الثالثة، ولا تصدق ما تسمعه عندما يجيب والدها «لقد تعودت». كيف منعت هؤلاء من البناء وأنت قمت ببناء حي فاخر للآخرين؟ سألت البنت أمها المهندسة المعمارية بمرارة، والتي تدير دائرة قسم التخطيط والبناء سابقاً. الأم تجيب: «المتفوقون دائماً يحق لهم أكثر، هذا هو أمر التاريخ. الآخرون ببساطة، لا يحتاجون إلى ما هو موجود لدينا، وهذا أيضاً ما جعل الكثيرين منهم يغادرون. في النهاية يمكنك العيش في منزل واسع مع حديقة كبيرة».
أم أخرى تلعثمت وهي تعترف بأنها ضغطت على الزر الذي أطلق صاروخاً من طائرة بدون طيار، هكذا كانوا يسمونها في البداية. «كنت شابة، سمّوني مقاتلة، لقد كانوا مجرد صور على الشاشة». والد آخر يعترف أنه على عقب بندقيته حفر 17 «اكس» إلى أن اصبح المكان لا يتسع. «كنا أطفالا»، يشرح، «تعلمنا إطلاق النار وكانوا يركضون أمامنا خلف الجدار وأنا اردت الإثبات لنفسي ولقادتي بأنني جيد في هذا الأمر». والد آخر لم يحفر الـ «اكس» لأنه لم يقم باحصاء عدد الذين قضوا بسبب القنبلة التي قام باسقاطها من الطائرة. والد آخر قال إن هذا لا شيء مقابل الأعداد التي قتلناها منهم في حروب سابقة. «هذه هي الطريقة الوحيدة المجربة للسيطرة عليهم»، قال بنبرته العلمية، «بهذه الطريقة جعلنا الآخرين يغادرون من أجل إتاحة مساحة أكبر للجامعة الفاخرة التي تدرس فيها».
كيف صادقتم على كل ذلك؟ سيسأل تلميذ الحقوق والفلسفة اللامع أمه رئيسة المحكمة المتقاعدة. والتي تستطيع الآن التفرغ لهواية زراعة السحلبيات. وستجيبه: «لم نصادق على كل شيء». لكنكم صادقتم على الجزء الاساسي، قال باصرار. لقد حددتم في قراراتكم بأننا عرق أعلى. وستجيبه وهي ترش النباتات بالمياه: «هذه هي الحقيقة».
هآرتس 8/4/2018

قد يهمّكم أيضا..
featured

"أمير" في الإمارات العربية

featured

فلسطين والنظريات التاريخية المزورة

featured

العربية: اللغة التي يمنّون عليها

featured

الحق الفلسطيني عملاق هذا العصر

featured

لنتصدى لخطط الوزير ساعر!

featured

حين يهبّ الأمريكان لحماية داعش علانيةً

featured

المعارضة المسلحة مأجورة من السعودية وقطر

featured

من أجل الناصرة البوصلة