"أمير" في الإمارات العربية

single

بنوع من التقريرية الباهتة العجفاء، أوردت معظم الصحافة العربية ومواقع الأخبار الالكترونية في العالم العربي، نبأ زيارة وزير البنى التحتية الإسرائيلي عوزي لانداو إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث شارك نظراءه، وزراء مائة وخمس وثلاثين دولة، مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
هناك في إمارة أبو ظبي وخلف علم إسرائيل الأزرق والأبيض توسط الوزير لانداو مقعده، غير مُخفٍ فرحةً برقت على وجهه كلما لاح العلم ورقصت نجمته، نجمة داوود، هناك في أبو ظبي.
لم ينبرِ أصحاب الأقلام ولم يتدفق إبداعهم في وصف هذه الزيارة، وبهذا فوَّت هؤلاء علينا فرصة كان بمقدورها، مرة أخرى، أن تضيء لنا سماء الوطن بإشعاعات وطنيه تؤكد مجددا أنهم ضد التطبيع مع إسرائيل، موقف ومقولة لطالما جُرِّدت من غمدها حساماً في وجه من شاؤوا ولأسباب مبتورة أحيانا ومغرضة في أغلب الأحيان .
كَيلُ أصحاب هذه الأقلام بأكثر من مكيال إزاء مسألة التطبيع يفقدهم مصداقيتهم ويثبت مرة تلو الأخرى أننا بصدد مسألة متعددة الجوانب ولا يمكن اختزالها أو حصرها في تعريفات مقولبة وكأننا نتعاطى مع معادلة وافدة من أحد العلوم الدقيقة.
يجب التوافق على تعريف مقبول لمصطلح التطبيع فبدون حد أدنى جامع من الاتفاق يبقى هذا شأناً خاضعاً لأهواء الكاتب/الناقد والمنتقد أيضاً. هنالك تطبيع سياسي دبلوماسي قانوني وهنالك تطبيع اقتصادي مع كل ما يحف هذا المجال من تأثيرات فرضتها ظاهرة العولمة وطبيعة السوق العالمية الجديدة. هنالك التطبيع الثقافي وهنالك التطبيع النفسي أو الفردي .
لا أستهدف أن أتعاطى مع وضع تعريفات لهذه الحالات فبعضها يستجلب إجماعا واسعاً وبديهية معارضته، إلا أن الحالات التي سأدرجها تمثل برأيي برهانا لما قد تقود إليه حقيقة انعدام التوافق حول تعريف مقبول لمصطلح التطبيع، والأهم لما هي العوامل التي تحدد هذا التعريف. في هذه الحالات يصبح الرأي تسيباً يتيح المزايدة والتجريح بمن لا يستحق ذلك، وأحيانا يسلح البعض ببوابات مشرعة للهزيمة والتقاعس مغلفة بادعاء التطبيع وتخوين الغير، وفي كلتا الحالتين يكون ضرباً من العبث يستدعي الاستهجان.
ففي الجزائر قامت عاصفة إثر قرار اتخذه رئيس جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بتدريس اللغة العبرية في مساق مقارنه الأديان. اتهم المعارضون رئيس الجامعة بالتطبيع مع إسرائيل لأنهم يتعففون من تدريس اللغة العبرية. رئيس الجامعة أكد أن الشأن شأن تعليمي ثقافي وفي أضعف الأحوال يأتي من باب "من تعلَّم لغةَ قومٍ أمِن شرَّهم" هل يعقل؟.
وفي مصر، وحال عودة الممثلة التونسية هند صبري من زيارة لرام الله فلسطين، واجهت موجة عاتية من الهجوم وتهم التخوين والتحريض. هند صبري جاءت لتعايش مأساة شعب يعاني في تفاصيل حياته اليومية وعلى مدار الساعة. لم تكتف بما تتناقله وسائل الإعلام فجاءت وتأسَّت وحزنت وبكت لكنها عادت شاهدة حقيقية ملأى بالإصرار والعزيمة وهي بهذه سفيرة صالحة لقضية رابحة. لم يصدقوها هناك ولم يغفروا لها فلقد أذنبت بالكبيرة لأنها دخلت من معبر حدودي يحكمه جندي احتلال إسرائيلي هل يعقل؟.
في الأردن هوجم الكاتب الروائي والشاعر الكبير إبراهيم نصر الله لأنه قام بزيارة لرام الله فلسطين. إبراهيم ابن لعائلة هجرت من قرية (الولجة) وكتب عن فلسطين وجرحها النازف كما لم يكتب أحد، لكن بعض من يدعون إفراطاً في حب فلسطين، هاجموه وخوَّنوه لأنه مطبع، فكيف يعود إلى الوطن من خلال معبر حدودي يحكمه جندي احتلال إسرائيلي هل يعقل؟.
وعندما يتحدى شاعر رمز كسميح القاسم، وزملاء له، مئات من المستمعين اليهود في عقر دارهم ليقول لهم: "قاب قوسين لا قاب قوس وأدنى يا حبيبي وعدنا ..."، يأتيك صوت الوعد الزائف مخوِّناً مُنشباً مخالبَ، مهما كانت طويلة، تبقى هامة سميح عصية عليها وعلى خدشها. هل يعقل؟.
أذكر أنه في عام 1998 رافقت الراحل الكبير فيصل الحسيني في زيارة لمصر قابلنا فيها قداسة البابا شنودة، عنوان وسبب زيارتنا تلك. كان اللقاء ممتعاً لا ينسى. طلب فيصل من البابا أن يوافق على الشروع باستثمار عقاري في قطعتي أرض تقعان في موقع هام في القدس وملكيتهما للكنيسة القبطية. تفهم البابا كل ما شُرح له ووافق على أهمية المشروع والشروع، إلا انه دمع وتأسى واعتذر، فهو الذي مُنع وأتباعه من الحجيج إلى القدس بعد أن اتهموا بالتطبيع والخيانة. وجَّهَنا إلى قادة الدولة السياسيين مستعدا للتنفيذ إذا سمحوا له بذلك. ودَّعناه وفي عينه دمعة على القدس ودمعة على حرمانهم من الحج لمقدساتهم فيها. تساءلنا هل يعقل؟ إن كان الاستثمار لإنقاذ أرض تطبيعاً فلماذا الحجيج كذلك أيضاً؟ وان كان هذا تطبيعا فلماذا حجيج الآلاف من عرب 48 إلى مقدساتهم في السعودية لا يعد تطبيعاً.
لا يمكن حصر هذه الأمثلة فوضع شعبنا الفلسطيني ووضعنا كأقلية فلسطينية في إسرائيل خلق إمكانيات لا تحصى من المفارقات والعبث. وما أعرفه أننا كأقلية قومية في هذه الدولة يجب أن ننأى عن ما يحاول البعض فرضه علينا، فآليات وأهداف نضالنا يحددها موقعنا أولا وأخيرا. مقارعة شاعر لبعض من اليهود لا يعد تطبيعا بل تحديا صارخاً وشجاعاً، فنحن كمن بتنا على وعود جيش الإنقاذ لم ننقذ إلا بما قدمناه وناضلنا وصمدنا من أجله. ومن يهدد فناناً عربياً أو عالمياً ويصمه بالخيانة والتطبيع لأنه تضامن وتأسى مع الفلسطينيين في فلسطين، هو حقا لا يعرف معنى واثر هذا الموقف مع أبناء شعب حرموا من كل شي إلا من الظلم والأسى وشظف العيش.
لا غرابة أن تحظى مطربة شهيرة شابه ومؤثره كشيرين بعناوين متصدرة للأخبار حينما تعلن أنها لن تغني لعرب 48 مردفة بحماقة أنها ضد التطبيع ولن تغني أيضا لليهود من عرب 48 وهي بهذا تجسد ما نعرفه من جهل فادح متفش بين "الأمة" التي تجيد تعريفنا بالرقم وتجهل ماضينا وحاضرنا كذلك .
منظر عوزي لانداو في أبو ظبي مزهواً تغمره السعادة وأغنية من شيرين، مطربة محببة عند أجيال العرب وعدت بان لا تغني أيضا لليهود من عرب 48، أكدا لي مجددا ما عرفه الآباء الباقون على هذا التراب أن من هان عليه الهجيج، وما زال لا ينصف بقضية الحجيج، حتماً لا يجيد إلا فن الضجيج .

قد يهمّكم أيضا..
featured

على هامش مبادرة الجنرالات العسكريين والنخب الاسرائيلية

featured

الى متى يتعاملان مع العالم كانه وجد لخدمتهما؟

featured

ما لم تفهمه يحيموفيتش حتى الآن..

featured

قال سعاديا أنا عربي ابن عربي

featured

وقفات على المفارق مع البطون الخاوية والحريّة

featured

ذكرى رحيل كاسترو