قال سعاديا أنا عربي ابن عربي

single


انهى سعاديا العمل في مشروع ضخم باتقان وانجاز كبيرين في وقت اقل بشهر من المده المحدده في العقد المبرم مع الشركة صاحبة المشروع، وعند حفل التسليم – حضر مدير شركة (غولدنبيرغ للحفر والتطوير والبناء م.ض) "المدعو دوف" وبصحبته لفيف من المهندسين والخبراء من شركة (دائرة الاشغال العامة) وبعد الفحص والتدقيق من المهندسين المختصين، اكد الجميع على سلامة التنفيذ، والدقة والجودة في العمل، فوقف "دوف" يكيل المديح لسعاديا ويغدق عليه اجمل كلمات الاطراء- والاشادة به.
فقال: ان هذا اليهودي – واشار ببنانه الى سعاديا، البارع في العمل، نموذج لليهودي ذي العقل الكبير والذي استطاع ان يقطع شوطا طويلا ودرجة مرموقة عالية في الشركة فاق زمن خدمته ذات الخمس سنوات بكثير بدأ عاملا بسيطا وسرعان ما قفز عاليا فاصبح مديرا في شركتنا يستحق التقدير والمكافأة على انجازاته الكبيرة والهامة، وهو جدير لهذه المكافأة جزاء على المساهمة في تطوير الشركة .
قضى سعاديا، بعد سماعه هذه الاطراءات ليلته فرحا جذلا وفي نشوة عارمة بنيل مكافأة ظن انها مالية.
قال الراوي:
لم يكمل سعيد تحصيلة العلمي الثانوي، لضيق العيش والعوز، وحاله الفقر في العائلة وظل يتسكع في الحارات والشوارع مدة طويلة، لحرمانه الحصول على تصريح من الحاكم العسكري يمنحه حرية التنقل والعمل، فقد أدرج اسمه في القائمة السوداء، وفي آخر مرة زار فيها مكتب الحاكم العسكري يطلب تصريحا، رد عليه الحاكم العسكري، بغلظة وصلف لن تنال تصريحا طالما لم تعلن في الصحف انفصالك عن حزب المشاغبين، الشيوعيين، نهض سعيد غاضبا فادار قفاه ازدراءً للحاكم العسكري وزبانيته من رجال المخابرات والشين بيت خرج وفي قرارة نفسه التحدي، انتظر الحافلة المتوجهة الى حيفا صعد فيها، حيث كانت محطته الاولى، تابع سفره الى ان كانت محطته الاخيرة يافا. هبط من الحافلة ومشى مثقل الخطى، مهموما يتخبط كالاعشى بعشوائية وبلا دراية. سار في شوارعها الداخلية في حي العجمى العربي، فرأى فيها بيوتا مهدمة اضحت اطلالا غزتها الطيور اليمام والغربان، والبوم، وبيوتا يسكنها عرب واخرى احتلها اليهود وسكنوا فيها. في غياب اهلها الحقيقيين المهجرين.
تابع سيره فوجد نفسه في شارع. شاهد بعض المقاهي البائسة، ومطعما لا يقل بؤسا. فدخله ليتناول ما يسد رمقه،  فاجأه اصدقاء له من قريته. اندفعوا ورحبوا به اجمل ترحيب فانقشعت عن عينيه غمامة، وتبخرت الهواجس والهموم التي اعترته طوال الطريق، تجاذبوا اطراف الحديث لفترة وجيزة فعرضوا عليه ان ينضم اليهم ويشاركهم العمل في ورشة لصنع الآجرّ، رحب بالفكرة، وابدى استعداده فانفجرت اساريره، زال الهم والغم وقضى ليلة في جلسة بين الاتراب والاصدقاء، انيسة وممتعة على شاطئ البحر بزرقته الساحرة وجماله الاخاذ، وصخب صوت الامواج التي تلاطم الصخور، والرذاذ المتناثر المنبعث منها يلطف الجو الحار. أووا الى النوم فأفترش الرمل كما افترشوه، وتوسد حجرا من الآجرّ، والتحف السماء، علم اثناء عمله من الاصدقاء ان المكان عرضة لمداهمة رجال الشرطة، من المركز المجاور للورشة، بذريعة البحث عن متسللين من الشباب العرب بلا تصاريح، والبحث والتفتيش عن مخدرات وبحثا عن بنات الهوى، اللواتي وجدن لهن مرتعا في تلك المنطقة. وبين المقاهي التي تعج بهن، وتتصاعد منها رائحة النارجيلة الخانقة ورائحة المخدرات العطبة، فهزه الكلام من داخله وقض مضجعه، وزرع فيه الريب والقلق النفسي. فعاش ايامه ولياليه في حالة من البؤس واليأس. فاتخذ الحيطة والحذر، فضاق ذرعا من حالة العزلة والانزواء التي عاشها. فراودته نفسه ان يهجر المكان.
وفي عصر احد الايام، غادر المكان مرتديا ملابس أنيقة وحذاء لامعا واضعا على عينيه نظارة شمس، مشى ووجهته نحو الشمال، فوجد نفسه بين عمارات شاهقة، جميلة، واصل الطريق واذ به في شارع دلت الكتابة انه شارع "ديزنغوف" شرع يتطلع الى اليافطات المعلقة على جدران العمارات المنتصبة في الشارع. فوقع نظره على يافطة كتب عليها "شركة غولدن بيرغ وابنائه للتطوير والبناء م.ض" فتوقف عندها. ولم يتردد في الصعود على الدرج.
دق الجرس، وطرق الباب، تهادى لسمعه صوت يأذن له بالدخول. دفع الباب. دخل فشاهد شابة جميلة شعرها اشقر ينسدل على منكبيها، عينان زرقاوان واسعتان في الثلاثينات من عمرها، متوسطة الطول. ممتلئة الجسم. نظرت اليه وامعنت النظر وراحت تتفرس وجهه. استيقظت من شرودها وسألته وقالت ماذا يريد السيد. فأجاب بصوت خفيض حزين، جئت اسأل عن عمل في شركتكم، وسعيد شاب وسيم، بهي الطلة، اسمر اللون، عينان سوداوان واسعتان، حفيف الشاربين، متوسط القامة، انيق الهندام،شعره كثيف اسود، شفتان مكتنزتان. تناولت قلما وورقة  وبادرته بسؤالها الاول. وهل انهيت الجندية. فاجأته بالسؤال، فلحذاقته وبداهته اجاب بنعم انهيتها. ثم سألته كم عمرك فقال اثنتان وعشرون سنة، فضحكت وقالت اكبرك بخمس سنوات.
حالتك المدنية؟ قال اعزب، فضحكت مرة اخرى وقالت انا متزوجة. اسمك؟ فادرك وقال في نفسه اذا كان الحال هكذا، فما علي الا ان انتحل اسما، فقال: سعاديا فقالت: انا اسمي نعومي، واين عنوانك، شخونات هتكفا  فعلقت يظهر انك من اصل عراقي فأجاب: وهو كذلك، فقالت مع ابتسامة عريضة انا بولونية الاصل. وعندما كانت تسائله لم تنفك ان تصوب نظراتها الحادة، الجارفة اليه، فكان كلما شاهد نظراتها يغض الطرف وسمع صوتا من داخله يناديه اياك، اياك، اياك.ثم اياك. جئت تبحث عن لقمة الخبز، فرغت من استجوابه حسب الاصول المرعية في الشركة وسجلت التفاصيل، واطلقت ابتسامتها وهي تقول المدير اليوم غير موجود. ان رغبت فارجع غدا، واطلقت وعدا سأعمل على مساعدتك. شكرها وغادر المكتب.
عاد سعيد "سعاديا" الجديد، الى ورشة الآجرّ فرحا وبغبطة عارمة تركت في ذهنه بارقة امل بعمل جديد وراح يتذكر ابتسامتها وضحكتها ونظراتها وآخر ما استذكر وعدها سأعمل على مساعدتك وهل ستفي بوعدها وتساءل وهو يجلس على شاطئ البحر في خلوته وخياله الذي اطلق له العنان ليسرح بعيدا. فعاد وسمع الصوت من داخله يناديه اياك، اياك ثم اياك.
تف على نفسه ونهض وانصاع للصوت الذي ناداه. افترش الرمل وأوى الى النوم وغرق في سبات عميق.
قضى سعيد يومه على احر من الجمر، شعر ان الشمس لا تتحرك وان الزمن قد توقف.
شعر بطول النهار وكأنه سنة، عاد في مساء في اليوم الثاني – طرق الباب ودخل- شعرت نعومي ان طرف الخيط بيدها ورمت صنارتها عسى ان يعلق بها. وبمكر مبيت اعتذرت وابتسامتها العريضة تغمر شفتيها. وقالت ان المدير اليوم سافر الى الجنوب فلن يعود الا غدا او بعد غد. امتعض في داخله واستاء ولم تشفع له ابتسامتها الجارفة. فاستطردت تقول ربحنا شوفتك، وانت شاب جميل فرد مجاملا بقلب حزين انت اجمل. راق لها الجواب وعقبت بغنج ودلال اصحيح ما تقوله؟ ارفقتها  بنظرة تشع بالعشق وطلبت منه ان يعود بالغد، غادر المكتب مودعا متمنيا لها ليلة سعيدة، غادر سعيد بائسا يريد عملا لا يريد غنجا ودلالا، وراودته الشكوك والظنون انها مجرد شابة تريد ان تلعب بعواطفه، ويسأل نفسه لماذا اعيش بالاوهام وهل تعشق شابا مثلي عاطلا عن العمل! عاد وتف على اوهامه، فارتفع الصوت في داخله يناديه اياك ثم اياك.
احجم سعيد عن الذهاب للظنون التي ساورته والشكوك التي احاطت بسلوكها ثلاثة ايام، عاشها بين العاطفة التي تتقد بداخله وتنطفئ كالعاصفة التي تهب في الصحراء.
وسرعان ما تهدأ بما تحمله من ذرات الرمال، وبين الإخفاق في ايجاد عمل، وظل يفكر بين الغرام والعمل. فهو بلا تصريح واي غلطة ستئول به الى الهاوية.
انقضت ثلاثة ايام، عاد الى المكتب، فوجدها في حلة جميلة، ارتدت ملابس ظهرت منها مفاتنها، فقد هامت به وولهت ودخل حبه الى شغاف قلبها في حين كانت الظنون تساوره انها تريد ان تتلاعب بعواطفه. كانت مضمخة برائحة عطر شذية ندية. ابتسمت له، وقدمت له فنجان القهوة واشعلت سيجارتها فأشعلت النار في جوفه وروحه والصوت الذي كان يناديه خرس واختفى، شعر بخفقات في قلبه وتساءلت لماذا تأخرت فقد وصل المدير منذ يومين ودبرت لك الامور ومهدت امامك الطريق فما عليك الا ان تدخل وتقابل المدير، انتهى من ارتشاف فنجان القهوة ودخل غرفة المدير، فنظر المدير الى الاوراق التي امامه والتوصية اذ به يزف له خبر قبوله عاملا بالشركة، ابلغه، انتظر غدا صباحا. فتأتي سيارة تنقلك الى مكان العمل. خرج"سعاديا"  براحة نفسية عالية وبسرور عارم.
في اليوم الثاني للاحتفال بتسليم الورشة دخل سعاديا مكتب "دوف" يحدوه الامل  بتسلم مكافأة ظنها مالية. فقال "دوف" اسمع يا سعاديا فازت شركتنا بعطاء عمل في ايران ورأيت ان اكافئك وارسلك الى هناك لتنفيذ المشروع براتب جيد وكبير، ناولني بطاقة هويتك، ادرك سعيد النهاية، فوقف شامخا وقدم له بطاقة الهوية فقرأ اسمه الحقيقي سعيد محمد محمود طه، عربي فتساءل! ما هذا؟ جحظت عيناه وقال عربي؟ فرد عليه سعيد، انا عربي ابن عربي والعقل عربي والشغل عربي، صمت دوف صمت اهل القبور نهض بانزعاج ودخل غرفة اخرى دقائق (خرجت نعومي) واجمة الجبين تحمل بيدها مغلفا، خرج سعيد من المكتب فض المغلف وجد فيه قرارًا بفصله من العمل، ربتت (نعومي) على كتف سعيد، وقالت عرفت انك عربي من الليلة الاولى التي زرتني فيها كظمت ذلك وكتمته، ولم ابح بذلك احبك احبك رجاء لا تقاطعني.
طبعت على جبينه قبلة واخرى على شفتيه، اسدل الستار.



(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إقْهَرْ عَدُوَّكَ بِالضَّحِك.. (مثل إنجليزي)

featured

في معركةِ الرِّواياتِ

featured

اشتداد ساعد أم انقياد سياسيّ

featured

شحارير وثعابين

featured

الإنتاج الرأسمالي ينتج أيضًا بؤس العامل

featured

أمسِ كنا في الخليل

featured

جرائم الشرف قلة شرف<br>صرخة الغضب تنطلق من مظاهرة الناصرة الحاشدة

featured

الاغنياء والفقراء