انتهت معركة الانتخابات التشريعية للكنيست الإسرائيلي وانجلى غبارها. وقد أظهرت نتائجها انحسار قوة اليمين الصهيوني المتطرف وتعادله مع ما يسمى بقوى "الوسط-اليسار" والأحزاب الفاعلة بين الجماهير العربية بفارق مقعد واحد، ما يعني تشكيل نتنياهو مجددًا لحكومة الكوارث المقبلة.
ولعل مفاجأة حصاد هذه الانتخابات هو الصحفي والإعلامي والوجه التلفزيوني يئير لبيد، الذي يعتبر وجها سياسيا جديدا، ويخوض الانتخابات للمرة الأولى، حيث حصل حزبه على 19 مقعدا واحتل المرتبة الثانية بعد حزب الليكود – ليبرمان. ورغم ادعائه بأنه وسطي الفكر والممارسة،ويعارض الأحزاب الدينية اليهودية المتشددة والمتطرفة، ويقف ضد العنف والتطرف،ويدعو إلى مساواة اجتماعية واقتصادية، الا انه بق الحصوة، ومن أول غزواته كسر عصاته عندما أعلن على الملأ بأنه لن يكون شريكا في جسم مانع "مع حنين الزعبي" ضد نتنياهو.
وبالنسبة للأحزاب الفاعلة في الشارع العربي وبين صفوف جماهيرنا العربية الفلسطينية في هذه البلاد، فقد حافظت على مقاعدها السابقة، أي (11) مقعدا، ورغم ذلك نرى بأن الجبهة الديمقراطية التي تشكل القوة الأعرق سياسيا والأكبر في المجتمع العربي لم تتقدم كثيرا ولم تزد أصواتها الا بنسبة طفيفة جدا، بالرغم من عراقتها، ونشاطها السياسي، وعملها المكثف والمثابر، وأدائها المميز، ونضالها الواسع، منذ عشرات السنين. في حين نجد ان التجمع الوطني الديمقراطي، الذي خاض الانتخابات هذه المرة وحده بدون تحالفات، ووسط تحديات كبيرة، فقد حصل على 3 مقاعد، وهذا بحد ذاته انجاز بالنسبة له ويسجل لصالحه. بينما القائمة العربية الموحدة، التي تتشكل من تحالفات وأقطاب سياسية مختلفة فقد حصلت على أربعة مقاعد، وخسرت المقعد الخامس لصالح "البيت اليهودي".وقد أثبتت التجربة بأنها غير متجانسة وقائمة على مصالح حزبية ضيقة وحسابات شخصية وتمارس الأساليب الانتهازية.
أما على صعيد غزوة الأحزاب الصهيونية لجماهيرنا العربية، فقد رفعت هذه الأحزاب، من شتى أطياف الخارطة السياسية والحزبية، رأسها من جديد وتغلغلت بين صفوف شبابنا وجماهيرنا، واقتنصت أكثر من 57 ألف صوت. وكانت حصة الأسد في العديد من المواقع والقرى والمدن العربية في الجليل والمثلث والنقب،لصالح حزب "شاس". وهذا التصويت، كما هو معروف، مرتبط أكثر بالمصالح الفردية والفئوية الضيقة والوعود المعسولة الكاذبة والعلاقات الشخصية والخاصة والرشى والابتزاز وشراء الذمم بالمال، الذي توزعه عشية كل انتخابات.وهذا الأمر بلا شك خطير جدا في ظل تنامي مظاهر العنصرية والفاشية وتضييق الخناق على العرب وعدم تحقيق المساواة، التي نناضل في سبيلها ومن اجلها.
وعلى ضوء هذه النتائج وما تقدم، يمكن القول ان الانتخابات أفرزت حكومة يمينية استيطانية جديدة برئاسة بنيامين نتنياهو، وهذا يعني المزيد من الغلاء والضربات الاقتصادية، والمزيد من التطرف والتعنت الإسرائيلي ورفض الجهود السلمية، وسعي الأوساط والقطاعات السياسية في الشارع الإسرائيلي لتصفية الحلم الفلسطيني.
إن الخارطة السياسية لم تتغير، ولذلك لا يمكن المراهنة على التغيير، والمستقبل السياسي القادم في اتجاه التعامل مع الموضوع الفلسطيني ينذر بكارثة حقيقية، وستشهد المرحلة المقبلة استمرارا للاحتلال والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ومحيط القدس، وتواصل المغامرة العسكرية والحربية ضد إيران ودول الرفض والممانعة. ولا جدال في ان سياسة اليمين والأحزاب الصهيونية واحدة وغير مختلفة، وهي العداء للعرب والفلسطينيين والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوق تراب وطنه وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا يتطلب المزيد من الوعي واليقظة السياسية والعمل الموحد المشترك والنضال السياسي والشعبي، دفاعا عن البقاء والحياة والوجود الفلسطيني والهوية القومية، ولأجل الغد الأفضل والتعايش السلمي.
