ذاكرة الأجيال

single

لهذه الرايات الحمراء رصيدٌ مشرِّف، ناصع البياض، في تاريخ الجماهير العربية التي بقيت في وطنها رغم النكبة

 


قلنا أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بأن جيل النكبة الذي "قبض على الجمر" لم تتمكن من إرباكه النكبة بل تابع حياته بروح قوية وعزيمة جبارة إيجابية رغم صعوبة الظروف التي مرَّ بها ورغم حجم الدمار والخراب ورغم الترحيل رممّ كرامتها التي هددت بسلاح الصهيونية المدعوم من الرجعية العربية والغرب المعادي لحضارتنا إنه جيل طلائعي أخذ بيد جيلنا علَّمنا حمل الراية، والحفاظ عليها.
إنه جيل التصدي للعدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية الجيل الذي فضح مذبحة كفرقاسم في العام 1956 من القرن الماضي وهو جيل أيار 1958 المشارك بفعالية في مظاهراته، جيل ضحى بأبنائه الشباب: جورج شاما، جريس بدين، ريمون مارون من حيفا، فايز سيد أحمد من سخنين ومحمود عبد الأسعد من أم الفحم ، جيل جعل من الحكم العسكري في تلك الأيام مهزلة وأضحوكة جيل تعامل مع الإبداع والصحافة بالتزام واحترام، رفض الارتزاق والتجارة بالهم العام، جيل تابع مسيرته بالتحدي والعطاء جيل حافظ على كرامة الوطن وابتعد عن الذاتية والتصق بالشعبي والوطني، أعطى أكثر مما أخذ رغم الفقر والعوز وضيق الحال.
وإنه جيل "خلق من غير طين" ولم تنجح المؤسسة الصهيونية في صهره وأسرلتِه وإنما قام بتثبيت رموزه الأدبية والسياسية والإجتماعية ليس فقط بيننا وإنما في المساحات العربية والعالمية هذا الجيل رفض "عيد استقلال بلادي" و"أهلا سيدتي" وخزَّن في ذاكرته "كأننا عشرون مستحيل "ومنتصب القامة أمشي".
جيل حافظ على لغته الأم التي حاول الآخر تذويبها بمنهجية وحقد دفين وحاول تفريقها عن تراثها وتجذرها، نقشها في قلبه وأبعدها عن أمجديات الآخرين.
جيل انحاز الى الفقراء والكادحين جيل أممي حافظ على وطنه ومدينته الناصرة، هذه القلعة الحضارية والجميلة كزهر الياسمين، مدينة تفوح منها رائحة النعناع والفل والورد الجوري ، إنه الجيل الذي قاوم صقيع الغرباء.
جيل نقش اسمها في صدرهن تابع مسيرته بكبرياء.
جيل دافع عن عينيها وسوقها عن عين عذرائها عن قفزتها.
جيل أربك الآخر بأفقر الأدوات وأبسطها.
وجعل منها العروس الفاتنة التي ستظل فاتنة.
وسيظل اسمها فلسطين مهما تغيرت الأحرف والأبجديات ومهما قست الأيام... إنه جيل ضيفنا في هذه الأمسية "أبو خالد" منقذ الزعبي ، جيل ولد من خاصرة القومية الممزوجة بالحليب والعسل وحب الأرض والوطن جيلٌ أجمل ما فيه صدقه مع نفسه ومع الآخرين جيل غنى مع ابنه الأديب فتحي فوراني:
"وحين تدفنين راسَك الصغير
                           في صدري العاري
أعانق الزيتون والنبيدَ
                      في صدر الجليل
أعانق الأسوار َ والأحزان
                        في ثلوج القدس
أضيع في يافا وعطر
                          برتقالها الحزين
أضيع في غابات جسمِكِ
                            التي لا تنتهي
أبحر في طوابع البريد
                          للجزائر الخضراءْ
أكشف الفصول والرياح
                           والطفولة
وتبعت الزنابق البيضاء
                            في الشواطئ القتيلة".
نلتقي اليوم مع الكاتب منقذ الزعبي ومع جيله من خلاله مع كتابه "أيام نصراوية" الكتاب الذي قال عنه المهندس رامز جرايسي رئيس البلدية في كلمته: "قليلةٌ هي الأدبيات والكتب الوثائقية التي تتخذ أبطالا للمشهد، يجد القارئ خاصة ان كان من أهل الناصرة ارتباطا مباشرا، أو تماثلا مع أحدهم أو مع بعضهم وهذا ما فعله الكاتب في هذا الكتاب، الذي استثمر في تجميع مواده وإعداده الكثير من الجهد والبحث والوقت".
ونلتقي أيضا في هذه الندوة الاجتماعية ذات المحيَّا والملامح الإيجابية الجميلة مع المهندس نادر السروجي ومداخلته التي أراهن على أهميتها.

 


(نص الكلمة التي ألقيت في الندوة التي أقيمت في مكتبة "أبو سلمى" في الناصرة يوم الأربعاء 2013/7/3 حول كتاب "أيام نصراوية" للكاتب منقذ الزعبي)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ناح النواح... والنواحة؟

featured

"ديرو بالكم على المحصول والبيدر الجبهوي"

featured

مشروع دولة إسرائيل الامبريالية العظمى

featured

حزب الله في القصير (1-2)

featured

"في جيدها حبل من مسد"

featured

داعش والاحتلال يتكاملان باليرموك!