جدي الغالي: رياض
أكتب لك عشية عيد ميلادي الأول، لأشاركك بكل ما يجول في عقلي وما أشعر به في أعماقي في يومي المميز هذا أو لربما في الأيام القليلة التي مرت عليّ وعلينا كعائلة. صحيح بأني سأكمل عامي الأول غدًا لكني أعدك يا جدي العزيز بأنّ فرحتي أنا وأهلي لن تكتمل ولن تتم إلا بعد عودتك إلينا سالمًا معافى لنتقاسم الضحكة سويًا ولنرسمها على جدران منزلك "منزل جدّي" الذي بات كئيبًا، باردًا دونك.
ربما تقولون عني صغيرة، طفلة!! أو أنكم تعتقدون بأني لا أدري بما يدور من حولي، سأخبرك يا جدّي سرًّا صغيرًا لتحفظه بداخلك: أنا اشعر بك، أرى القلق والفزع على وجنتي أبي، رأيت بالأمس دمعات أمي المحبوسة داخل عينيها، سمعتها تتحدث مع والدي وهي تواسيه تحاول أن تخفف من حدّة توتره لتزرع أمل شفائك القريب، نعم يا جدّي اني اعرف كل شيء وتأكدت من أحاسيسي هذه عندما زرتك في المشفى، جئت لأطمئن عليك يا غالي، رأيت تلك الفرحة التي رقصت على وجنتيك عندما رأيتني أدخل إلى غرفتك.
لم تتصور مدى فرحتي عندما رأيتك ولامست يداي يديك، رأيت الارتياح يشع من جسدك، اعرف تمامًا أنني الوحيدة في هذا العالم أو بالأحرى في عالمك من تجعلك تنسى آلامك وأوجاعك.. لهذا جئت.
جئت وأنا احمل إليك في قلبي الصغير رسالة: رسالة حب، رسالة اشتياق، رسالة مليئة بالأمنيات، أمنياتي لك بالسلامة والصحة، رسالة شفاء، أما الرسالة الكبرى التي حملتها إليك في هذا النهار هي: رسالة حنين.
نعم يا جدّي.. حنين لأرتمي في حضنك الدافئ، حنين لمكانك على الكنبة. دخلت منزلك منذ يومين فلم أجدك هناك، لم تسرع إلى الباب لتستقبلني، بدأت انظر هنا وهناك وانتقل من زاوية إلى أخرى علِّي أراك تختبئ لي لتلاعبني ولكن.... لم أرك!! أدركت حينها أنك لا زلت ترقد في المستشفى.
جدّي الحبيب: منزلك اشتاق إليك، اشتقت لصوتك الحنون وأنت تقول لي: "شو يا سيدي.. وين الجاجة؟" اشتقت لضحكاتك، لنقاشاتك أنت ووالدي وأعمامي في المواضيع السياسية، اشتقت ليوم السبت ولمتنا سويًا حول مائدة الطعام، اشتقت لقضاء نهار كامل برفقتك وأنت تحملني بين ذراعيك، اشتقت لنتجول سويًا في حديقة المنزل، ولتأخذني في جولتنا الأسبوعية لأرى العصافير والدجاج، ولتهزني رويدًا رويدًا وأنا جالسة على الأرجوحة وأنا أكاد أطير فرحًا برفقتك، كنت أتعمد أن تلامس أناملي الصغيرة أصابعك لاستمد منها القوة، الحنان، الشجاعة والكفاح، وكيف لا؟ وأنا أقف أمام رجل مكافح، عصامي. أريد أن أتعلم لا بل اكتسب كل صفاتك يا حبيبي وبتفاصيلها الصغيرة، فأنا اعشق تلك الروح التي في داخلك.
فها أنا اكبر يومًا بعد يوم بأنفاسك يا جدي، سنجلس سويًا لتحدثني عن يوم الأرض، ويوم النكبة.. ستحدثني عن التهجير وعن قضيتنا الفلسطينية، ستحدثني عن آلام شعبنا الفلسطيني والعربي، عن المظاهرات والاعتصامات، عن مسرحياتك التي كتبتها وعرضتها.
وسأشاركك الحديث، سنقضي لياليَ طوالًا نتحدث فيها في مواضيع سياسية شتى وسأكون رفيقة دربك يا جدي الغالي.
جدي أعدك بأن لا عيد، ولا شمعة، ولا أغنية، ولا كعكة ولا حتى بالونًا واحدًا سينفخ دونك، فأنا انتظرك وبفارغ الصبر، انتظر عودتك إلي سالمًا غانمًا ومعافى.
الأرجوحة تنتظرنا يا جدي فما بوسعي الآن سوى أن أتمنى لك الشفاء العاجل لتملأ دنياي حبًا فرحًا وسعادةً، انتظر عودتك لأرتمي بين أحضانك ولنطفأ سويًا الشمعة الأولى والتي لن تنطفئ إلا بأنفاسي وأنفاسك، ولنتمنى أنا وأنت وحدنا ما يطيب لنا من أمنيات، فأيامي المستقبلية ستكتمل وتبدأ لحظة تماثلك للشفاء.
أحبك وأنتظرك بفارغ الصبر
حفيدتك المحبة: نينار عناد خطيب
(شفاعمرو)
