أذكر أنه بعد قيام الثورة المصرية 1952، واعتلاء الضباط الأحرار سدة الحكم بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر ، حاول "الإخوان المسلمون" السيطرة على مقاليد الأمور ومصادرة فكر الثورة وإخضاعه لتوجهاتهم ، على الرغم من أنهم لم يشاركوا فعليًا فيها .. وذلك رغم ميول البعض من الضباط الأحرار لبعض أفكارهم ، بما في ذلك جمال عبد الناصر نفسه . وربما كان في ذلك تشجيع لهم للقفز على المنجزات التي حققتها حركة الضباط الأحرار ، كعادتهم كما تبيّن فيما بعد في التاريخ العربي الحديث . ولعل في إعادة ذكر الحوار الذي دار بين عبد الناصر وحسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان إفادة ، لمن يريد الاستفادة من الماضي في الحاضر نحو المستقبل ! ففي أعقاب نشر بيان تأييد الإخوان للثورة ، اجتمع الإثنان وطلب الهضيبي من عبد الناصر أن تطبق الثورة أحكام القرآن ، فكان جواب الثاني : أن الثورة قامت ضد الظلم والاستبداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفساد والاستعمار البريطاني ، وأن لها مشروعا قوميا عربيا إنسانيا من أجل التحرر والمساواة وتكافؤ الفرص ... وأن كل هذا تطبيق لأحكام القرآن ! يتحمّس الهضيبي من هذا الجواب و .. (يطمع الشيخ ويمد يده) ، فيطلب من عبد الناصر أن تصدر الثورة قانونًا بفرض الحجاب وبغلق المسارح ودور السينما والبارات ... فرد عبد الناصر : أنت تحمّلني ما لا طاقة لي به ! لكن الهضيبي ظل على إصراره ، فقال له الريّس : أنا لا أستطيع فرض الحجاب على ابنتي التي تذهب إلى كلية الطب سافرة ، فكيف تريدني أن أفرضه على بنات الآخرين ؟ وهكذا ومنذ البداية تبين أن هنالك مشروعين مختلفين لا يمكن التوفيق بينهما . وكان لا بد من الصدام . حاول الإخوان اغتيال الريّس أثناء خطابه في الاسكندرية (أكتوبر/ تشرين الأول 1954) فأخذ بمهاجمتهم بعنف .. ثم كانت لهم محاولة انقلاب في 1965 على إثرها تم إعدام سيّد قطب أحد أبرز منظري الإخوان الذي بز مرشده الأول حسن البنا ، فكفّر المجتمع ونادى بمسألة "الحاكمية الإلهية" التي استمدّها من فكر أبي الأعلى المودودي الشيعي الباكستاني العربي الأصل . ومشى "الإخوان المسلمون" بطريق التطرف ، ومنه إلى مزيد من التطرف. حتى يومنا هذا ! هنالك مشروعان مختلفان ، مشروع ثيوقراطي يريد أن يحكم باسم الدين ، ومشروع علماني حضاري يحترم جميع الأديان لكنه يفصل الدين عن الدولة. ولا بد من التصادم ، ولا بد من الحسم حاليًا وفي قادم الأيام ، مهما كانت المعوِّقات والدسائس والمؤامرات البترودولارية ! فالنور قادم من آخر النفق مهما اشتدت العتمة .
