شعور يتعاظم باستمرار، وإحساس بالمسؤولية تجاه الاتحاد كجريدة ليست ناطقة باسم الحزب الشيوعي في هذه البلاد فحسب، وإنما كصحيفة مقاومة حملت الهم السياسي والكفاحي والوطني للشعب الفلسطيني خطوة بخطوة، على مدار السبعين عامًا المنصرمة، منذ الرابع عشر من أيار 1944 ولغاية الآن، كنت لم أولد بعد الا بعد مسافة ستة عشر عامًا من مسيرتها وانطلاقتها التي شكلت المدماك الأول في مولد الصحافة الثورية المقاومة في بلادنا فلسطين، ولا أبالغ إذا قلت في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
ولدت "الاتحاد" في خضم الصراع والأحداث الجارية على الساحة الدولية، في فترة أصبح يتجلى وباديًا للعيان ان الحرب العالمية الثانية التي بدأها النازيون والفاشيون وغلاة الامبرياليين في كل من ألمانيا وايطاليا واليابان، قد بدأت تضع أوزارها بتقهقر المحور النازي وحلفاء الفاشية، وان الفكر الاشتراكي الثوري الذي تبناه الاتحاد السوفييتي في حينه قد استطاع مع الجيش الأحمر الثوري العظيم ان ينال من جبروت و"يمرمغ" الوحش النازي تحت جزمة الجندي السوفييتي الأحمر وفي عقر داره. لقد غدت نهاية الحرب نقطة انعطاف لشعوب أوروبا، وبداية مرحلة التحرر من الفاشية والنازية وتشكيل العالم الاشتراكي المعادي للحرب والامبريالية والفاشية ومن اجل السلام.
في مثل هذه الأجواء والأحداث كانت بلادنا فلسطين وشعبنا الأبيّ يعيش مرحلة الاستعمار والانتداب والسيطرة البريطانية والهجرة اليهودية المتدفقة من ألمانيا وأوروبا، تجري على قدم وساق بدعم وترتيب من الدول الاستعمارية وبالأساس بريطانيا. كانت البلاد تغلي كالمرجل، لما شهدته من صراعات بين العرب واليهود واستقدام الآلاف في محاولة لإفراغ البلاد من أهلها الأصليين وخلق أغلبية يهودية تمهيدًا لقلع وتشريد وتهجير الشعب الفلسطيني على أيدي العصابات الصهيونية بدعم المستعمر الانجليزي، وبتواطؤ الرجعية العربية المرتبطة بالمستعمرين وأصحاب الأرض والنفوذ من الإقطاعيين، وهذا الذي جرى بعد 4 سنوات على ميلاد "الاتحاد" التي شكلت رأس الحربة في فضح المؤامرة الاستعمارية والتواطؤ العربي الرجعي مع المستعمرين والحركة الصهيونية.
قامت "الاتحاد" كجريدة سياسية ثورية ليس بكشف وتعرية مواقف الاستعمار والحركة الصهيونية من الحقوق القومية للشعب الفلسطيني، وإنما بوضع البديل السياسي والوطني أمام الشعب الفلسطيني للحيلولة دون إضاعة الحقوق وتشريد الشعب والتنكر لحقوقه المغتصبة، ولتجنيب البلاد دوامة جديدة من العنف والحرب. لقد عملت "الاتحاد" والحزب الشيوعي في ظروف سرية في غاية من التعقيد والهجوم على قول كلمة الحق وقول الحقيقة كاملة.
* دراسة التجربة تتطلب معرفة الماضي*
يُعتبر الشباب، جيل الحراك والكفاح، مكمل الطريق وحامل الراية. والمفروض والطبيعي ان يشكل حجر الزاوية في عملية الانطلاقة بهمة قوية في تجديد الطريق ورسم البرنامج للمرحلة القادمة، ولا بد للشباب الوطني ان يسند في إكماله طريق الذين سبقوه إلى تجربة الماضي، وفي الاطلاع على ما كانت "الاتحاد" في فترة تأسيسها على يد الشيوعيين الشباب وحذرت منه، ان الذي يجري ليس بالمؤامرة والالتفاف، وإنما الخطر الأكبر هو بالاخطبوط الثلاثي الاستعماري الصهيوني الرجعي العربي الذي عمل بشكل منظم على تعكير وشحن الأجواء السياسية والأمنية بين العرب واليهود في فلسطين، بغية إجهاض قرار التقسيم 1947 إلى دولتين واحدة عربية فلسطينية وأخرى يهودية، باعتبار ان القرار الاممي لا ينصف الشعب الفلسطيني صاحب الحق والأرض، ولهذا قاومته وأجهضته الأطراف كافة، وكانت النتيجة بيع فلسطين للحركة الصهيونية وتشريد وتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه.
ان العودة إلى تجربة الماضي والخوض في التفاصيل والذكريات ومواقف الحزب الشيوعي في البلاد وكفاحه الطويل والمرير مع الثالوث الدنس الاستعمار والحركة الصهيونية والرجعية العربية، هذا الكفاح المستمر الذي لم يتوقف في يوم من الأيام وخلال مسيرة الحزب الشيوعي على هذه الأرض الفلسطينية وفي هذه البلاد منذ عام 1919 مرحلة التأسيس قبل حوالي المئة عام ومسيرة "الاتحاد قبل 70 عامًا، هذه المسيرة الحافلة بالانجازات الثورية والكفاحية والمليئة بالتضحيات البطولية الجسام، هذه المسيرة التي جسدت على هذه الأرض وبين صفوف الجماهير والشعب أسس الثقافة الثورية والوطنية وثقافة المقاومة والنضال الوطني.
إن العودة إلى أرشيف "الاتحاد" لاستنهاض وإنهاض القيم الثورية واختبار الكلمات وتسجيل وتثبيت المواقف في زمن غياب النص والموقف العلني الصريح، هي مهمة ليست بالمستحيلة. ان تناول الماضي من اجل تحديد مهمات المستقبل، فالفترة الممتدة من سنوات الأربعين ولغاية سنوات إنهاء الحكم العسكري عند جماهيرنا العربية، هي فترة غنية بالكفاح، شديدة الحساسية جريئة في تحديد الأهداف واتخاذ القرارات والمواقف الصلبة والبطولية وتحقيق الانجازات البسيطة عبر التجارب الكفاحية الغنية في فهم طبيعة الصراع وتوارث التواريخ والاحداث والتسلسل في سلم الصراع بين حكام إسرائيل والحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني من جهة أخرى.
إن ارشيف وحزب "الاتحاد" أقوى من التزوير والنسيان.
(كويكات/أبوسنان)
