صانع الأمل

single

يحدث أن تقرأ أو تسمع خبرًا صغيرًا فيطلق في نفسك شلالًا من الذكريات، حسبتها انطفأت تمامًا، فتندهش أن كل ما في الأمر هو أنها، فقط، توارت في مكانٍ ما غميق من طبقات الذاكرة.
كانت بيروت في سنوات العقد الأخير من سبعينات القرن الماضي في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، في حالٍ أشبه ما تكون بالهدنة الممتدة التي تتخللها حروب صغيرة، بعضها كان بمثابة ارتدادات متأخرة للحرب الكبرى، وبعضها عبارة عن مواجهات عبثية بين ميليشيات الحرب، التي ظلت فاعلة على ضفتي الحرب، وبعضها كان عبارة عن تصفيات حساب بين دول وأجهزة استخبارات أجنبية وجدت في لبنان ساحة لذلك.
وفي غمرة هذه "الحروب الصغيرة" كانت "إسرائيل" تشن اعتداءات وتقوم بغارات جوية تستهدف الوجود الفلسطيني هناك، قبل أن تجتاح لبنان حتى بلغت العاصمة بيروت.
مصادفات الحياة حملتني على الإقامة، وفي ذلك الوضع المضطرب، في تلك المدينة التي ما زلت مشدودًا إليها.
طبيعة اهتماماتي جعلتني دائم التردد على مطبعة تقع في شارع خلفي في كورنيش المزرعة، أذكر أن موقعها كان عبارة عن قبو أو مأوى إحدى العمارات السكنية، واسم المطبعة، على ما أذكر، كان "مطبعة الأمل". لا غرابة أن تحمل المطبعة هذا الاسم.
كان ذلك زمن الأمل بامتياز، رغم قسوة الوضع ورغم الانكسارات الظاهرة وتلك الخفية التي كانت تطل برأسها.
وإلى ذلك كانت تلك المطبعة متخصصة في طباعة الكتب والصحف المعنية بصناعة الأمل.
نشأت بيني وبين عدد من العاملين في تلك المطبعة علاقة معرفة ومودة، ومن هؤلاء أذكر رجلًا متقدمًا في العمر كنا نناديه بكنيته "أبو أسعد"، أما الثاني فهو فواز بشارة، الذي كان بالمناسبة شقيق مدير المطبعة.
كان "أبو أسعد" يسكن المنطقة الشرقية من بيروت حيث تهيمن الميليشيات اليمينية المتطرفة، ويغادر منزله في الأشرفية، على ما أذكر، في الصباح الباكر من كل يوم قاطعًا الحواجز المسلحة مخاطرًا بحياته نحو غربي بيروت حيث تقع المطبعة. مثله كان يفعل فواز بشارة.
مرت سنوات بعد أن غادرتُ بيروت إلى ديار أخرى، حين ذاع ذات صباح نبأ إطلاق النار على زعيم "جيش لبنان الحر" العميل للقوات "الإسرائيلية" التي كانت تحتل جنوب لبنان أنطوان لحد، من قبل شابة اسمها سهى فواز بشارة.
حكاية سهى التي قضت سنوات طويلة أسيرة في سجن "الخيام" أصبحت معروفة، وهي وثقتها في كتاب صدر بعد تحريرها.
حينها لم أفاجأ بأن شغيل المطبعة البسيط، الوطني، التقدمي أنجب وربى فتاةً شجاعةً مثل هذه.
قبل يومين قرأتُ الخبر الحزين الذي أطلق العنان للذاكرة: فواز بشارة في ذمة الله.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لِتتوقفْ حرب الإبادة..!

featured

الثابت – لا سلام مع الاستيطان!

featured

ألاحزاب الشيوعية تطرح وتحلل القضايا الجوهرية في المعترك الكفاحي!

featured

هل العِبرة بالنّتائج دائما

featured

ساعة!! ويصل "ايار" الثاني!!

featured

اللافقاريات والمستنقع السياسي

featured

ربيع الخريف... خريف الربيع