حنين العودة الى مسقط الرأس، جُرح تحمله ذاكرة الفلسطيني المسكينة وتصر ان تبقيه نزّا كاويا، كي تبعد النسيان وتعيش غارقة في التذكر الى اعلى رأسها طافحة بايمان راسخ، ان هذا التذكر اللانهائي سيصبح في غد آتٍ واقعا ملموسا.
وحيث إن اطلالة شهر ايار/ مايو، تؤجج جمر الحنين والعودة، تعالوا نقوم بجولة قصيرة في حقل دلالتيهما...
فالعودة في اليونانية تعني نوستوس، اما معاناة الحنين فهي الغوس - ففي الحنين الى العودة تكمن المعاناة الحارقة! لماذا؟ لانها هي بعينها، الحزن الناتج عن استحالة عودة المهجر الى بلده الاصلي، بلده الام، العودة الى المنزل، الى الحاكورة، الى البيدر،الى الشوارع، والازقة والزواريب، الى الاسواق
والمقاهي والساحات... وهذا ما يجعل هذا المشرّد، يردد طيلة اشهر السنة، وخاصة مع حلول شهر التشريد، يردد: "اشتاق اليك، ما عدت اقوى على تحمّل ألم الفراق"...
وحين نسأل: هل هذا الهوس بالعودة سيبقى حلما ورديا؟! لا بد ان نعود الى اوديسة هوميروس، وهي الملحمة المؤسسة للحنين، فبطلها عوليس، اكبر مغامر على مر العصور، هو ايضا اكبر مشتاق، غادر، ليس راضيا، الى حرب طروادة، التي بقي فيها عشرة اعوام، بعدها سارع بالعودة الى مسقط رأسه ايتاكا، لكن دسائس الآلهة اطالت رحلته في البداية ثلاثة اعوام مليئة بالاحداث المذهلة، ثم سبعة اعوام امضاها بصفته رهينة وعاشقا الى جانب الحورية كاليبسو، التي رفضت ان تتركه يغادر الجزيرة. لكن عوليس هذا، حينما وقف امام خيارين، بين الحياة الحلوة في الغربة، وخطر العودة الى المنزل، اختار دونما تردد العودة!! وبالفعل تحقق له ذلك، حينما وضعه بحارة فياثيا، ملفوفا بالملاحف، على شاطئ ايتاكا عند جذع شجرة زيتون...
نحن، يا هذا الشهر القاسي، سنطلق على كل فلسطيني، يسكن في الغربة، املا وتطلعا، نعم سنطلق عليه، اسم عوليس، ليظل يردد العودة، العودة، سحر العودة لعظيم...
وبعد "ساعة" سيسمع نداءه، "البحارة"، حراس العدالة واحقاق الحق لانهم اتوا من "فلكهم" الراسي في ميناء بحر "ايار" الثاني!!!
