قبل سنة ونيِّف بدأ أمرٌ تمنّينا أن يحدث ولم تكن أمنياتنا من فراغ، بل استندت على فكرٍ علميٍّ أكد حتميّة وقوعه، لكنَّ الانتظار طال ولم نقطع الأمل، وجاء بو عزيزة، صوت المقهورين، فصرخ صرخة لا ككل الصرخات، أزيزا هدّارا مصحوبا بنار أحرقت هشيم الأنظمة العربية المتآكلة.
الملايين من الشباب العربي ملأوا ميادين المدن العربيّة وساحاتها وشوارعها، ونجحوا بمظاهراتهم السّلميّة أن يدكّوا عروشا ويُسقطوا حكّاما عُمّروا في الحكم أكثر من الملوك، وهلّلنا بالرّبيع العربي وفرحنا بهذا الانتصار. وجرت انتخابات في قطرين عربيّين تونس ومصر وفازت أحزاب وحركات إسلاميّة بأكثريّة الأصوات، وهناك أسباب كثيرة لهذا الفوز لا مجال للخوض فيها في هذه العُجالة، ولكن المقلق هو أنّ الكثيرين بدأوا بالحديث عن خريف عربي! هل وصول الإسلاميين إلى الحكم يُلغي حقيقة لا يختلف عليها اثنان، أنّ الشّباب العربي هو هو الّذي صنع المعجزة؟ هل يحق لنا أن نمحو هذا الإنجاز العظيم الّذي حقّقه هؤلاء؟ ألأن الشّباب لم يقطفوا ثمار ثورتهم، وجناها غيرهم يلغي حقيقة ساطعة كالشّمس أنَّ شيئا كبيرا جدّا حدث في العالم العربي؟ هل عدم وصول الثّوار الحقيقيّين الى الحكم يعني أنَّ تضحية بوعزيزة والمئات من الشباب بأرواحهم ذهبت هباء؟
جميعنا يعلم أنَّ مخاض الثّورة الفرنسيّة استغرق أكثر من ثمانين عاما حتّى وُلدِت الجمهوريّة فهل هذا يعني أنَّ الثّورة الفرنسيّة كانت فاشلة؟ هذا لا يعني أنَّ علينا أن ننتظر كما انتظر الفرنسيّون، ولكن بناء على نفس الفكر الّذي حتّم الثّورة سيصل هؤلاء الشباب الى مبتغاهم، لأنّهم هم فقط الّذين سيُحدثون التّغيير الحقيقي في المجتمعات العربيّة، وتحت رايتهم فقط ستتحقّق العدالة الاجتماعيّة. العبرة ليست بالنتائج الآنية فالمخاض لا بُدَّ أن ينتهي بفجر
ساطع.
