(أُلقيتْ في ذكرى الأربعين لرحيل أعزّ الأحبّاء؛ أبـي: نـاصـر سـلـيـم تـيّـم (أبـو عـودة))
مُصابٌ أليمٌ أن نفقد أعزّ الناس. وكم بالحريّ حين يكون ذاك الفقيد هو القريب الحبيب "أبو عودة" - ذا السيرة العطِرة، والصيتِ الطيّبِ بين كلّ مَنْ عرفوه أو سمعوا عنه مِنْ قريب أو مِن بعيد؟!
باغَـتَّـنا، يا أبي، برحيلك المفاجئ. خُطفتَ من بين أيادينا دون استئذان، وأنت في صحّة وعافية، تاركًا وراءك أبناءً وأحفادًا أحبّوك وأحببتَهم؛ فقد كنتَ دِفئَنا ومَلاذَنا وجامِعَنا.
عرفتُه إنسانًا بكلّ ما في الكلمة من معنى. تعامل مع مَن حوله بتواضع واحترام. عايشَ هموم الناس ومتاعبهم، مادًّا يدَهُ دائمًا للمساعدة. منذ الصغر غَرس فينا المحبّة والتواضع والترفّع عن أيّ انتماء يُخالفُ تقييمَ الإنسان باعتباره إنسانًا.
في أواخر سنوات الأربعين من القَرن الماضي، اعتُقِلَ وتنقَّلَ بين السجون لأكثر من عام، هو ومجموعة من خِيرة أبناء قريته، وذلك بسبب موقفهم المشرّف ضدّ الاحتلال. خلال فترة اعتقاله، التقى برفاق شيوعيّين، فتعرّف على الشيوعيّة ومبادئها. بعد عودته مِنَ المعتقَل، قرّر للتوّ أن ينضمّ إلى صفوف الحزب الشيوعيّ، وهو في رَيعان شبابه، مؤمنًا بهذا الخطّ السياسيّ، متحدّيًا كلَّ المصاعب والـمخاطر؛ فقد كان الشيوعيُّ آنذاك متّهَمًا ومطلوبًا من قِبَلِ سلطات الاحتلال.
نحن اليوم نسمع ونقرأ عن تلك الأيام. أمّا والدي والكثيرون من أبناء القرية، فقد عاشوا ذلك الحدث. هو من الرعيل الذي ذاق مُرَّ النكبة والتعذيب والاعتقال، دفاعًا عن الأرض والمسكن والبقاء. نضالهم وتشبّثهم بوطنهم كانا من أجلنا نحن، وفي سبيل مستقبل أفضل لنا ولأولادنا.
أبدًا ما تنازل ولا ساوم في مبادئه التي آمن بها؛ بل بقي متمسّكًا بها، مُدافعًا عنها؛ فهي جزء كبير من كِيانه ومسيرته المشرِّفة، التي استمرّت ما يقارب الستّين عامًا،لم يتردّد خلالها -ولو لمرّة واحدة- عن العطاء والنضال والمساعدة. قام بواجبه باقتناع، دون أهداف ذاتيّة ومَطالب شخصيّة؛ كمثْلِ سائر رفاقه الأوائل، الذينَ ضَحَّوْا من أجلنا نحن، وكان لهم فضل كبير في بقائنا في قرانا، في وطننا.
كما يعرف الكثيرون من بينكم، أيّها الكرام، عمل أبي ما يقارب الثلاثين عامًا في الجمعيّة التعاونيّة، التي عُرفتْ بين الناس بـِ "دكّان الشيوعيّة". خدم من خلالها أبناءَ القرية بكلّ تَفانٍ وإخلاص، حتّى أقعده المرض، واضطَرَّهُ إلى التقاعد المبكّر، دون أيّ توفير أو ضمان اجتماعيّ عن كلِّ سنوات عمله وخدمته. لقد حرص شديدًا على توفيرٍ مِن نوع آخَر؛ هو محبّة الناس وراحةُ الضمير.
كنتُ أشعر بمدى سعادته وافتخاره عند تَحدُّثِه عن أيّام الشباب، أيّام الاعتقال، والملاحَقة، والإقامة الإجباريّة. عن زمن النضال والعطاء دون مقابل، إذ كانت العِشرةُ والمحبّةُ والألفةُ بين أبناء الشعب الواحد، والبلد الواحد، والحارة الواحدة. فبالرغم من مأساة شعبنا، كان ذاك زمنًا جميلاً.
لقد لمستُ دائمًا محبّةَ الناس له. هذا زادني فخرًا واعتزازًا. فمن خلال عملي بين الناس، كنت أُسألُ دائمًا عن صحّته وعن أخباره. ومن كلّ مَحضر كنتُ أُحَمَّل سلامًا له، حفظتُه عن ظهرِ قلب -"سلِّم على أبوك كْثير. أبوك زلمة آدمي".
رحل "أبو عودة" وصورتُهُ بهيّةٌ مشرِّفة. رحل بكبرياء، زادُهُ الـتـواضـعُ، وطِـيـبُـهُ سـمْـعَـةٌ طـيّـبـة.
نعم يا أبي، نعم يا صديقي. هذا بعضٌ ممّا أنت. نَعِدُكَ أن نترسّم خُطاك. نَعِدُكَ أن نتابع مسيرتك. نعاهدك أن نحفظ سيرتك -كما نحفظ في العين والقلب صورتَك.
ستبقى ذكراك حاضرةً فينا وبيننا. إلى جنّات الخُلْد، يا أعزّ الأحبّاء.
باسمي وباسم عائلة تيّم، نشكركم على مشاركتكم ومواساتكم لنا، راجين الله أن يُطيل أعماركم، وأن يُنْعِمَ عليكم بكلّ الخير والهناء.
(عبلين)
