من "بورتو اليغري" نقل المنتدى الاجتماعي العالمي خيامه إلى تونس، وفي جامعة المنار؛ وعلى مدار أيامٍ خمسة صخبت الأروقة والخيام بضجيج النقاش والأهازيج والمظاهرات الكبيرة والصغيرة وفي محيط الجامعة وخارجها. في تونس توفرت الفرصة لالتقاء خمسين ألف مشارك من سبعة وعشرين بلداً من مختلف الهويات والجنسيات، وتناغم الجميع في خلق فضاء موحد لتبادل الأفكار والرؤى والفعاليات التضامنية والعهود ونسج التحالفات والمبادرات والشبكات.
وكان لتونس سحرها الخاص، ليس لأنها الدولة العربية الأولى التي تحتضن أعمال المنتدى ذي الهوية والتوجهات اليسارية والتحررية المناهضة للرجعية والاستعمار والتبعية، بل لكونه التأم حيث انطلقت ثورة الياسمين مصدر الإلهام والايحاءات الثورية، البلد التي قالت أولاً: "الشعب يريد"، وقالت ثانيا: "ارحل".. واستضافت المنتدى في ظل مرحلة انتقالية صعبة تعيشها تونس في تكريس الدولة المدنية، وتملك خصوصية التمتع بمجتمع مدني فائق الحيوية يحتل فيه الشباب دورا متحركا.
تنوعت المواضيع وتوسعت النقاشات حول القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية، واستقطبت الورش التي بلغ عددها ألف ورشة، التي تبحث في الواقع المتمخض في أعقاب ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي"، وفي الهشاشة الأمنية التي باتت تعيشها المنطقة. كما اجتذبت الاجتماعات التي اعتنت بنقاش المدّ الديني والعودة القوية للحركات السلفية المعادية للديمقراطية والحداثة والدولة المدنية. كما لفت النظر كثافة عدد الورش الخاصة بموضوعة حقوق الانسان في العالم بشكل عام، وفي المنطقة العربية بعد الحراكات العربية سواء المشاركون من بلدان أطاحت بأنظمتها وتلك التي لا زالت تشهد مخاضات سياسية، التي تجتذب مشاركة الاوروبيبن والقادمين من دول اميركا اللاتينية، دون التجاوز عن الاجتماعات المهتمة بالواقع المعاش، حيث تغيب العدالة الاجتماعية وتعاني من آثار السياسات النيوليبرالية وانعكاسها على زيادة الفقر والبطالة ونقص الخدمات الصحية والتعليمية.
تونس استضافت المنتدى لأول مرة، لكن "ليبيا" كانت تحضر المنتدى أول مرّة. حيث كانت جمعيات ليبيّة حديثة التشكيل متواجدة، يُلمس توقَها للمعرفة والاندماج والسير في النضال العالمي، لتعوض ما فاتها من إمكانيات وأنشطة عُزلت عنها عقودا طويلة. السوريون الذين حضروا منقسمين يحملون قلبين وعلمين، صَعُب عليهم استقطاب الوفود المشاركة، فالعالم أيضا منقسم حولهم في ظل صراع الضواري الدائر على أرضها.
القضية الفلسطينية التي تقف على رأس قائمة عناوين الاهتمام، بدأ يبرز إلى جانبها قضايا مستجدة ساخنة كقضية "مالي" وقضايا افريقية أخرى كالكونغو ورواندا، التي تتموضع في ركن خاص وتنال حصتها من الجدل والبحث. فلسطين حاضرة بقوة قضيتها، سيان حضر الفلسطينيون أو غابوا، حيث تجذرت القضية في وجدان الشعوب كرمز للسياسات الامبريالية وانعدام التوازن. في ساحات المنتدى حظيت فلسطين بالاجماع والتضامن والتعاطف، حيث الشعوب تريد إنهاء الاحتلال ورفع الجرائم الاسرائيلية أمام محكمة الجنايات الدولية، وتنتظم خلف حركة المقاطعة العالمية لاسرائيل، وتتابع أخبار الأسرى المضربين عن الطعام وتتحرك من أجل إطلاق سراح الأسيرات والأسرى ورفع الحصار عن غزة.
الأمور ممهدة أمام فلسطين في المنتدى حيث تحضر الشعوب الحرة، موقع القضية الفلسطينية في مركز المنتدى وبؤبؤه، لم نكن بحاجة الى الجهد الكبير سواء في البيان الختامي او في سياق العمل لنحصل ما حصلنا عليه، ولكن السؤال: كيف لو كنا أكثر تنظيما وتوحدا وتخطيطا، وأكثر توسيعا لإطار المشاركة، وأكثر انفتاحا على المركّب الفلسطيني المتنوع، وأقل فوضى وتقوقعاً، وأكثر دقة في تحديدً الأنشطة والمتحدثين بما يمكن من استثمار أجواء التضامن العارمة، لأخذها باتجاه الفعل وتوظيف زخمها على الأنظمة المعيقة لتطبيق الشرعية الدولية، وتجسيد أوضح لمبادئ المنتدى العالمي وشعاره "عالم آخر وأفضل.. ممكن".
لقد حصلنا على جرعة جديدة من الدعم، تجلت في البيان الذي احتوى على القضايا الرئيسية، وشكّلت فعاليات المنتدى بما فيها التظاهرة الافتتاحية لأعمال المنتدى الذي يشكل معادلاً شعبياً لمنتدى دافوس ذي التوجهات الرأسمالية، وكذلك التظاهرة الختامية المنظمة خصيصا لفلسطين في يوم الأرض، وهي سند جديد لفلسطين.
كما مثلت جملة التوصيات حزمة من الأفكار والتوجهات لبعث الزخم الدائم لأعمال المنتدى ما بين انعقادين، والعبرة في كيفية توظيفها فلسطينيا في وجه اسرائيل وسياساتها الهادفة إلى شطبنا التدريجي عن الخارطة. لكن السؤال المحوري الذي علينا الإجابة عليه يتركز حول قدرتنا على الاستفادة من تجربة لا زالت تشكو من اشكاليات متكررة تظهر في الدوْس على أرجل بعضنا البعض وتكبيلها بالكوابح الفئوية والذاتية، لنجيب على الأسئلة سريعا بإعادة بناء أدوات المنتدى على الصعيد الفلسطيني لصالح تعميق ديمقراطيتها، وتوسيع فضائها انسجاما مع مبادئ وفضاء المنتدى العالمي، وبما يمكن من عزف النوتة الفلسطينية دون نشاز، لتكتسب المشاركة زخما متجددا يذهب للقضية الوطنية.
