عرفتُ بقدومهم إلى مخيمنا قبل يومين فقط، واكتشفت حينها أن خلية عمل قد تشكلت لوضع الترتيبات اللازمة لاستقبالهم واستضافتهم وتأمين سبل النجاح لمهمتهم كان عمادها الإغاثة الطبية والجمعية المحلية للتأهيل المجتمعي واللجنة الشعبية للمخيم، ولم اسمع أبدا أن هناك من بين سكان المخيم من يرفض حضورهم أو استقبالهم، رغم أن الجميع في مخيمنا كان لديه علم مسبق أن من بينهم أطباء وفنيين يهود.. إلى جانب نظرائهم من عرب الداخل.. بل بالعكس كانت كل الدلائل تشير إلى أن الغالبية ممن عرفوا بمجيئهم قد اثنوا عليهم، واستذكروا زياراتهم السابقة للمخيم، والأيام الطبية الناجحة التي نفذوها وعالجوا خلالها المئات من سكان المخيم من المرضى الفقراء والمعدمين، ومن الذين قد ضاقت في وجوههم الأبواب بحثا عن جهة تقدم لهم يد المساعدة في معالجة مرضاهم من الحالات المرضية المستعصية.
إنهم أطباء لحقوق الإنسان.. هذه المجموعة الرائدة في العمل الطبي الاغاثي، والذين تربطهم بمناطقنا الفلسطينية المحتلة علاقات تمتد لما يقارب الربع قرن من الزمن، حيث خاضوا معنا الانتفاضة الشعبية الأولى، وأسهموا بما يملكون من إمكانيات مادية وبشرية وفنية في إغاثة ومعالجة عشرات الآلاف من الحالات المرضية، وزاروا عشرات التجمعات السكانية.. وخصوصا في المناطق النائية والمهمشة.. ليعالجوا المرضى، ويشفوا الجراح، ويقدموا الدعم النفسي والمعنوي لشعبنا.. إبان سياسة تكسير العظام الإسرائيلية وفترات منع التجول التي كانت تمتد لشهور.. وكانوا معنا بعدها في كل الأزمات وفي كل مناطق التوتر والحصار والقمع الاحتلالي في غزة والقدس والأغوار والمخيمات والمناطق المتضررة من الاستيطان والجدار.. كانوا مع أسرانا وجرحانا وجثث شهدائنا وكانوا رسل السلام والمحبة والعين والكامرة التي فضحت جرائم الاحتلال وانتهاكاته المستمرة لحقوق الإنسان الفلسطيني.. وكانوا معنا بوضوح في خياراتنا السياسية وأعلنوا على الملأ ومن على المنابر الإسرائيلية رفضهم الكامل للاحتلال ووقوفهم إلى جانب نضالات شعبنا من اجل نيل كامل حقوقه في التحرر والاستقلال، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وأكدوا بما لا يدع مجالا للشك وقوفهم إلى جانب حق العودة وفقا للقرار الدولي رقم 194 ورفضوا الانخراط في سياسة التطبيع باعتبارهم يرفضون الاحتلال أصلا، ولأجل ذلك رفضوا أي علاقة مع المؤسسات الصهيونية التي تعمل على التطبيع وخصوصا مركز "بيرس".
وعندما وصلت إلى مخيمنا يوم السبت 17/4/2010 كان هناك حدث غير عادي اذ لاحظت أعدادا غفيرة من المواطنين نساء ورجالا وكهولا وأطفالا يتوافدون ويخرجون من مبنى الجمعية المحلية للتأهيل المجتمعي ( تأهيل المعاقين سابقا ) وهي الجهة التي تعاونت مع الإغاثة الطبية الفلسطينية واللجنة الشعبية في استضافة الأطقم الطبية لرابطة أطباء لحقوق الإنسان.. وبالكاد استطعت شق صفوف المواطنين للوصول إلى حيث أقابل الصديق العزيز والمناضل الصادق المخلص الدكتور صلاح الحاج يحيى، منسق رابطة أطباء لحقوق الإنسان الذي أصر إلا أن يكون على رأس يوم العمل الطبي في مخيم الفارعة، والذي حشد لإنجاح هذا اليوم 50 كادرا من خيرة الأطباء يهودا وعربا ومن خيرة الإخصائيين من مختلف التخصصات.. وقابلته على عجل بعناق حار وكان على عادته مشغولا بالتنظيم والترتيب والتوجيه للأطقم الطبية العاملة والحديث مع المواطنين والتأكد من سير العمل على أكمل وجه. واستغرق لقائي معه عدة دقائق فقط ودعوته لتناول الغداء أو حتى شرب القهوة في منزلي فاعتذر اعتذارا جميلا لأنه لا يستطيع المغادرة في حين يواصل فريقه العمل..
ومع انتهاء يوم العمل الطبي كان فريق أطباء لحقوق الإنسان قد عالج أكثر من 200 حالة مرضية وقدموا أدوية مجانية للمرضى بما يفوق الـ 40 ألف شاقل، الأمر الذي جعل الأهالي يقفون في وداع هذا الفريق شاكرين لهم جهدهم، مصافحين إياهم جميعا عربا ويهودا، متمنين لهم أن يكرروا مثل هذا اليوم في وقت ليس ببعيد.. وعلى عادة أهالي مخيم الفارعة أقيم للفريق الطبي حفل غداء، ألقيت خلاله الكلمات، وقدمت فيه الجمعية المحلية للتأهيل المجتمعي درعا رمزيا إلى رابطة أطباء لحقوق الإنسان، ودرعا آخر للإغاثة الطبية.
(مخيم الفارعة )
