داخل بيت بن غوريون الوادع في "سديه بوكير" رفٌ عريضٌ وُضعت عليه مذكراته الشخصية، ومن بين الأوراق رسالةٌ وجهها قائد الحركة الصهيونية إلى ابنه عاموس يوم 5 تشرين أول 1937، وجاء فيها:
"أرض النقب محفوظة للمواطنين اليهود، متى وأينما شاؤوا ذلك. ويجب علينا طرد العرب لنحلّ مكانهم، ولو تطلّب ذلك استخدام القوة فإننا نملك قوة هي طوع إرادتنا، ليس لطرد العرب وترحيلهم فحسب، إنما لضمان حقنا في الاستيطان في هذه الأماكن". وفي الطريق المؤدّي إلى بيته ستجد نصوصًا منحوتة على الجانبين مثل: "إن اختبار الشعب الإسرائيلي سيكون في النقب".
في العام 48 نجح بن غوريون في الاختبار الذي أراده للشعب اليهودي في النقب: طرْد أهله بالإرهاب وإطلاق النار على الصدور وإلقائهم خارج الحدود ومن ثمّ إطلاق النار على ظهورهم، وكذلك اغتصاب النساء، كما يوثّق لنا الباحث بيني مورس. (حروب اسرائيل الحدودية 1949- 1956- الصفحات من 178 – 198) ورغم ذلك بقي عشرة آلاف نسمة من أصل مئة ألف، وبإطار المنطق الصهيوني الكلاسيكي تمّ تهجير الباقين من قراهم الأصلية في النقب الواسع وزجّهم في منطقة تحمل اسمًا واضح الدلالات: "السياج".
ولكن ما العمل مع هؤلاء الذين مجرّد بقائهم يشكّل طعنًا بالمخطط البنغوريوني؟ لنقرأ معًا ما كتبه ميخائيل بار-زوهر في سيرة بن غوريون: ".. كما ضايق بن غوريون وجود البدو في النقب. وبسبب عدم إمكانية التخلص منهم، طرح فكرة خيالية حقًا: تهويدهم! وقد ناقش خطته مع رئيس الاستخبارات حاييم هرتصوغ، ومع رئيس الأركان تسفي تسور ومع رجال الحاخامية العسكرية الرئيسية. ولقد عيّن يهوشع كوهن مستشارًا له في هذا الموضوع. وحتى أنه تمّ البدء باستعدادات عملية، ولكن في ذروتها اُلغيت العملية. وهكذا فوّتت إسرائيل "فرصة وحيدة" لكسب عشرات آلاف اليهود- ومحو عشرات آلاف العرب من السكان." (نهاية الاقتباس ص 441).
- قبل النكبة!
يهمّ الناس معرفة حقائق ملكية عرب النقب لأراضيهم، رغم أن هذا الأمر هو بالتأكيد ليس أساس الصراع، فالسبب الرئيس هو جوهر الفكر الصهيوني: "دولة يهودية". ومشتقاتها مثل: "أكثر ما يمكن من الأرض وأقل ما يمكن من العرب".. هذا هو الجوهر، ومع ذلك يفيدنا معرفة العلاقة القانونية لعرب النقب بأرضهم، كي تُساندنا في نضالنا، وهاكم الملاحظات المختزلة والسريعة:
لقد اعترفت الدولة العثمانية بحقوق عرب النقب، وحسبنا شراؤها 2000 دونم من عرب العزازمة لبناء مدينة بئر السبع في العام 1900 - 1901! وقد اعترف الانتداب البريطاني بحقوقهم، وجلس وزير المستعمرات وينستون تشرتشل (نعم، أيّاه) والمندوب السامي الأوّل هربرت صموئيل مع مشايخ العشائر في العام 1921، واعترفا بذلك رسميًا ووثّقا ذلك في أوراق رسمية.
ونتساءل هل كان عرب النقب بدوًا رحّلا أم ثابتين؟ الجواب: كانوا ثابتين. وتكفي الإشارة إلى أن طائرة بريطانية صوّرت أراضٍ شاسعة حول بئر السبع عام 1945 وتبيّن أنها مفتلحة بشكل كامل. ناهيك عن المقابر الموجودة في كل بلدة على مرّ عشرات السنوات ممّا يؤكد قطعًا سكن الناس في قرى محدّدة.
إذن، فلماذا لم تكن أراضيهم مسجّلة رسميًا في العام 1948؟ الجواب: هي مسجلة رسميًا ومعترف بها فعلا، ولكن معظمهم لا يملكون الطابو، وهذا ليس خطأهم، فالانتداب سارع بتنظيم الأراضي )הסדר קרקע) من شمال فلسطين إلى جنوبها، وقد باغتته الحرب العالمية الثانية قبل وصوله إلى الفالوجة (קרית גת لاحقًا) وبهذا، فالأرض لم تكن منظمة من قبل المؤسسة الرسمية ولم تُعرف كتلتها عن قسيمتها، ولهذا لا يُمكن تسجيلها رسميًا بالطابو!
أعود لأكرّر أن كل المعلومات الواردة أعلاه قيّمة ولكنّها ليست الأساس، وإلا فما معنى نكبة الـ48 وطرد 900 ألف فلسطيني وكواشينهم بيمينهم؟!! وما معنى اتخاذ الحكومة قرار (2010) يقضي بأحقية حصول اليهودي على آلاف الدونمات لمدة 99 سنة لإنشاء مزرعة خاصة مرتبطة بالماء والكهرباء بهدف إحياء القفار في النقب! ثمّ أن دولة إسرائيل هي ايضًا اعترفت، وعلى استعداد للاعتراف، بأراضي عرب النقب شرط.. بيعها لليهود! وهذا ما تمّ في عشرات الحالات، وأذكر على سبيل المثال، لا الحصر، القصة التالية: في العام 1926 أضاف سليمان الطوري 1000 دونم لأرضه في العراقيب ودفع ضرائبه سنويا للحكومة العثمانية والبريطانية اللتين اعترفتا بحقه رسميًا. وفي السنة ذاتها، وعلى بُعد بضعة كيلومترات، اشترى موشيه سميلانسكي بعض الدونمات من عائلات عربية لضمّها إلى كيبوتس "משמר הנגב" (أنظروا دلالات الاسم). ولم يبقَ إلا أن أطلب من القراء زيارة القريتين: العراقيب و"משמר הנגב".. حيث تجدون أهل العراقيب المحرومين من الكهرباء ينظرون إلى الكهرباء الصادرة من حظائر البقر في كيبوتس "الأسياد".
هذا هو جوهر القضية التي وضعها المؤسس بن غوريون، ولكن بناغرة اليوم يغلّفون جرائمهم بالقوانين والقرارات الحكومية الرسمية ولجان التحقيق. وشعبنا تمرّس في هذه الإجراءات القانونية ليس فقط عبر قوانين الأغلبية التي يقرّونها في "الكنيست"، وإنما حول لجان التحقيق كـ"لجنة غولدبرغ" التي تحوّلت إلى "برافر" فـ"عميدرور" مستشار "مجلس الأمن القومي". ألا تذكركم بشيء؟! بلى، لقد أقامت الحكومة "لجنةَ أور" فـ"لبيد" ومن ثم نقلت التطبيق إلى "مجلس الأمن القومي"؟! يبدأون بلجنة يرأسها قاضٍ "محايد" (أور أو غولدبرغ) فتوصياتها التي تُبقي هامشا ضيّقا من العدالة لا تعجب الحكومة فـ"يقبلونها" رسميًا ويقيمون لجنة حكومية لـ"تنفيذ القرارات" (لبيد أو برافر) ومن أجل شلخ ما تبقّى عالقًا من الحقوق وزجّ العرب في الخانة الأمنية يحوّلونها إلى "مجلس الأمن القومي" (إلى رؤوبن غال نائب مدير مجلس الأمن القومي أو يعقوب عميدرور مستشار المجلس!).
_____________
- مشروع وطني- التوأمة.
ذكرنا أن المؤسسة الإسرائيلية عقدت اجتماعات رسمية لتهويد عرب النقب، وبهذا فشلت، فلجأت طيلة عشرات السنوات إلى "بَدْونة القضية" عبر سلخهم عن أبناء شعبهم في الجليل والمثلث والساحل، عن طريق الجيش، التصويت للأحزاب الصهيونية، وترويج الأفكار النمطية حول "البدو" و"الفلاحين".. ووجدت السلطة عكاكيز لها في أكثر من مكان لترويج مشروعها.
نستطيع القول بثقة إن المؤسسة تفشل اليوم في كل مشاريعها، فعرب النقب يؤكدون عبر الممارسة اليومية وحدتهم الوطنية ورفضهم الصارخ لهذه المخططات (من الجميل قراءة قصيدة "سرحان والماسورة" التي نظمها توفيق زيّاد عن البطل سرحان العلي من عرب الصقر) وكذلك شعبنا في المناطق المختلفة أضحى أقرب إلى النقب من أي وقت مضى، والرسم البياني يشير بوضوح إلى أن قضية النقب تكتسب مزيدًا من الاهتمام لدى شعبنا، المجتمع الإسرائيلي، وكذلك الدولي. وهذا أمرٌ هام بحدّ ذاته يجب أن يُشكّل قاعدة لنضالاتنا وخططنا المستقبلية ومنها مشروع التوأمة.
مشروعنا اليوم هو تجنيد 40 سلطة محلية (أو لجنة شعبية حيث يتعذّر الأمر) لإقامة علاقة توأمة بينها وبين قرية غير معترف بها في النقب، وتُمارس هذه التوأمة عبر العمل التطوعي السنوي، وكذلك مشاركة الأولاد في المخيمات الصيفية الوطنية، والمشاركة في كل مستجدّ، ناهيك عن شدّ الأواصر الاجتماعية بين القريتين.
شعب حيّ يجترح مثل هذه المشاريع، وهكذا نُشيد الوحدة الوطنية والتلاحم بين أبناء شعبنا.. هذا هو مشروعنا الوطني القادم.
(سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)
