* أنا واحد من ذاك "القطيع الغوغائي".. "الواقف على هامش التاريخ وهامش الفعل". ولكنني، بعكس المقطوعين عن الحياة، أحاول في بعض الاحيان ان أساهم ولو بالقليل. هذا هو الفارق *
قرأت بتمعن مقال الدكتور وسام جبران ("حديث الناس" - الجمعة 14.2.2009) الذي حاول فيه اشراكنا في تعاطيه الذاتي مع شعار "الناصرة مدينة عصرية"، وهو شعار طرحته جبهة الناصرة في الإنتخابات الأخيرة. ولا أنكر انني أوافق مع الكاتب في قضايا معينة مثل محبتنا لمدينة عصرية، كانت او لم تكن، والحاجة لمشاركة اكبر عدد ممكن من المثقفين في التخطيط لمشروع ضخم كهذا، رغم اشكالية جمع هذه الفئة من مجتمعنا في غرفة واحدة وخصوصاً اذا كانوا من فئة أهل الموسيقى والفن!؟
ولكن ما ازعجني في هذه المقالة هو عملية – أو بالأصح المحاولة الفاشلة لعملية - تنصيب الذات "الأنا" كوصي على كل ما هو أخلاقي ويتمتع بالرقي، وبالمقابل الهبوط في المستوى الكتابي الى مكان أعتقد ان الدكتور وسام في غنى عنه. وللتوضيح أعدد هنا بعضا من العبارات التي استعملها صاحبنا للتدليل على إنتقاده غير المبرر لشعار " الناصرة مدينة عصرية "، رغم انه لم يمضِ على الانتخابات ثلاثة اشهر وحتى ان الأئتلاف البلدي لم يتشكل بعد في تركيبته النهائية. يقول الكاتب: "الشعار لم يكن سوى احد ملامح الإفلاس..."، واننا "مرة اخرى نعيش في ظل شعار كاذب" (لننتبه الى "مرة أخرى" هذه!). وسرعان ما ينزلق كاتبنا، فيقول: وهو "الشعارالوقح.." و"المكان الموهوم" و"السياسي القائم على الكذب والخداع والتصورات الخالية من الفعل والمثابرة والفهم لمعنى ما يقول"، و"قطيع انتخابي غوغائي.." و"سوف يقف على هامش التاريخ وهامش الفعل.." (انتهت الإقتباسات).
نحتار أمام هذا النص. وهل هكذا، بمثل هذا الكلام، يتشكل البديل لـ "الحضارة والعصرنة"؟!. أولاً أعترف انني واحد من ذاك "القطيع الغوغائي".. "الواقف على هامش التاريخ وهامش الفعل". ولكنني، بعكس المقطوعين عن الحياة، أحاول في بعض الأحيان ان أساهم ولو بالقليل، وبكل تواضع، لدفع مشروع هنا ومشروع هناك بدون غوغائية وبدون تجريح وبدون "تحميل جميلة" لمن يجب ان أتعامل معهم.
دكتور... اذا كان لا بد من الحديث عن الوقاحة، فأنا أعتقد ان مقالك هو هو الذي يندرج في قمة الوقاحة، وهو هو الذي يجوز وصفه بالاستعلاء. يبدو ان الأمور اختلطت عليك. لا بأس. بإمكانك مراجعة نفسك مرة أخرى. لكن "الوقح" ليس من يحلم في ان يعيش بمدينة عصرية، يطيب العيش فيها، حتى اذا لم ينجح في الدورة الجديدة القادمة في ترجمة هذا الشعار بكامل تفاصيله، لأسباب لا اعتقد انها تخفى عليك، في مقدمتها سياسة التمييز الحكومية. فالتخطيطات جاهزة، وهنا ايضًا أنت تعرف ذلك، ولا أخالك تعتقد ان من يعرقل تنفيذها هو ادارة بلدية الناصرة ورئيسها رامز جرايسي. فقليلاً من التواضع لا يضيرك وسوف ينفعنا وينفعك لأنني احد الذين يعرفون مدى القدرات العظيمة التي تتمتع بها.
محاولتك فرض واقع وكأن السلطة المحلية هي المسؤل الأول والوحيد عن الغبن الذي نعاني منه، وبالتالي تبرعك بمنح "صك الغفران" للسلطة المركزية وسياستها التي تتمثل في التمييز القومي على مدى اكثر من ستين عامًا اتجاه الأقلية القومية في هذه البلاد، عن قصد او بدون قصد، هي بمثابة التجني المفضوح على قيادة هذا البلد الذين صنعوا التاريخ – نعم صنعوه، وشعار يدًا بيد نبني ونحمي الناصرة لم يكن كاذبًا في اي يوم من الأيام - وهمشوا كل من وقف في وجه محاولات عرقلة مشروع عصرنة هذه المدينة، وضحوا وقاموا بالكثير الكثير، ولم يكونوا ولن يكونوا على هامش الفعل من اجل هذا البلد الحبيب على قلوبنا جميعا بكل أهله، بلدًا عصريًا كان او قريب منها.
غريب أمرك في تقديس الذات "الأنا". فمحاولتك في النهاية نفخ روح الإحباط وإقناعنا ان "هذا التعويل على ثقافة المؤسسة للنهوض بالمدينة بحسب المفاهيم العصرية للثقافة وبالمعايير التي باتت من مسلمات الشعوب المتحضرة "... "بات وهما طال أمده ولا مجال اليوم لاحداث تغيير نهضوي سوى المراهنة على الارادة الشخصية "، هي محاولة غارقة في جنون العظمة. فهل "ارادتك الشخصية" هي أكبر وأرقى من ارادة ادارة بلدية (المؤسسة، أليس كذلك؟؟) وارادة الأغلبية في البلد. ما معنى هذا الكلام. ثم لديك "حديقة" – وانت استخدمت في مقالك هذه العبارة من تشيخوف – فلماذا لا تظهر لنا مدى قدراتك وامكانياتك ورهانك على "الإرادة الشخصية" فيها وتقوم بإجراء "التغيير النهضوي" هناك، ومن خلالها لكل البلد.
صاحبنا هنا يقف على نقيض ما أوحى بأنه ينادي به – المدينة العصرية الحقة. لماذا؟.. لأنه يريد إيهامنا بأن لا أمل من قيادة هذا البلد، وفقط "أنا المثقف" كشخص وبمبادرات شخصية استطيع ان أحقق لكم الحلم المنشود.
مرة اخرى يا وسام انصحك بالقليل من التواضع، وأن لا تواصل التحليق في الهواء، بل وضع الأرجل على الأرض، لأن ما ينتظرنا جميعا هو اكبر من الأنا والأنت. فلنعمل معًا على ان تكون الناصرة مدينة عصرية بكل معنى الكلمة، بأهلها وناسها، وان ننهض بهم ومعهم الى حيث نريد، ولا حاجة لاستيراد شعوبًا اخرى لكي نختصر الزمان والمكان لنصبح عصريين ومتحضرين بحسب مقاييسك. فالناصرة بلد يطيب العيش فيه وبه. هذه هي الحقيقة.
