مرة أخرى يحاول رئيس أمريكي ارتداء القناع الديمقراطي، وذر الرماد في عيون الشعوب، بغية تبرير السياسة التوسعية المتمثلة بالهيمنة ونهب ثروات الشعوب وتنصيب الحكّام المذعنين لهذه السياسة فقط. فحديث باراك أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس، والذي تضمن "الرأفة" بالشعب السوري، و "الاهتمام" بشعوب المنطقة، تكذّبه الوقائع والممارسات الأمريكية على الأرض.
وإذا كان اوباما يحاول دومًا الظهور كرئيس أمريكي "مختلف" ويحمل توجهًا جديدًا، فإن مقامرته الحربية الفاشلة الأخيرة في المنطقة كشفت هويته السياسية الحقيقية. فلم تخمد ألسنة نيران الحروب والعدوان الأمريكية في افغانستان والعراق وليبيا بعد، حتى عادت واشنطن-أوباما لترفع وتائر التصعيد الحربي على أرض سوريا هذه المرة. لكن نفوذها الآخذ بالانحسار، ووقوف قوى عالمية وإقليمية في وجهها، هو ما منع (حتى الآن!) مرور هذا المخطط.
الرئيس الأمريكي يتحدث بصلف مع الايرانيين بشأن مزاعم نواياهم امتلاك سلاح نووي، لكنه لا ينبس ببنت شفة عن اسرائيل المدججة بأسلحة الدمار الشامل، وفقًا لمصادر أجنبية. وهو يسهب في الحديث عن القيم الديمقراطية، لكنه يصمت عن حلفائه من الأنظمة الأكثر تخلفًا واستبدادًا في الخليج وغيرها. وهو يتحدث عن أمن اسرائيل وكأنها الضحية، على الرغم من أن حكوماتها بادرت على امتداد عقود من الزمن الى شتى اشكال العدوان والحروب المدمّرة على شعوب المنطقة، وورطت شعبها هي بها أيضًا. ولا يزال الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني مشردين من بيوتهم، خارج وطنهم وفي داخله، لكن لا يخفف هذا من "ضحويّة اسرائيل"، ويا للنفاق..
إن التوجه الامريكي في المنطقة لا يُقاس بمقاييس المصالح فحسب. فالدول عمومًا تبحث عن مصالحها وهذا شرعي. لكن ما ليس شرعيا بل اجرامي، هو البحث عن المصالح بثمن تدمير دول برمتها (العراق، أفغانستان) وتثبيت دكتاتوريات لنهب ثروات الشعوب (الخليج) واستخدام شتى اشكال التآمر والتخريب، بدافع الغطرسة والاستغلال والاستعلاء المبني على القوة والعنف.
إن شعوب العالم تعي يومًا بعد يوم وتتضح أمامها الصورة أكثر فأكثر، ولا يمكن أن تنطلي عليها اسطوانات الكذب الأمريكية. فهذه القوة الامبريالية المنفوخة تجرّ خلفها سجلات من ابشع الجرائم، وطالما تواصل نهجها هذا فإن مصلحة شعوب العالم كله، بما فيه الأمريكي، تتطلب افشال سياساتها ومخططاتها وصدّها ومقاومتها.
