عندما أقرأ عن محاربة الزي الشرعي لفتاة مسلمة في الغرب وبالذات في فرنسا، تتداعى لدي افكار استوطنت ذهني يوم علّمونا عن روبسبير وروسو.. لقد أسموا روبسبير "الرجل الطاهر" اجلالا لنزاهته واعتداله ومع ذلك أكلته المقصلة بسبب تجاوزات اتهمه بها نواب الشعب..
أما روسو فكان المبدع الذي بكتاباته توهجت مشاعر الفرنسيين فسعوا الى اقامة مجتمع تسوده الحرية والعدالة والمساواة.. مع العظيمين روسو وروبسبير ولدت الثورة الفرنسية، ومعهما رددت أجيالنا قانون ايمان قوامه ثالوث من الحرية والعدل والمساواة..
والسؤال: هل بقي هذا الثالوث على ما تجسده كلماته، أم تحول الى مفردات وشعارات مشبوهة تنسف ثوابت الدمقراطية؟! هل أمست الحرية المتوّجة بالعدل والمساواة عبارات مفخخة خاوية من أي مضمون في عهد الرئيس ساركوزي؟!.. هل ما نقرأه في الاعلام يتماهى مع واقع الحياة في موطن روبسبير وروسو؟!..
أنتشي مغتبطا عندما أجد ان ما يأتينا به اعلام الانظمة لا يصور واقع الحياة في الغرب وبالذات في مدينة الانوار "باريس". قبل مدة تسلمت رسالة من أحد طلابي المقيم في العاصمة الفرنسية.. في الرسالة يشكرني تلميذي المغترب على تعزيتي له بوفاة والده..
لقد أقام هذا العزيز بعد وفاة والده مجلس الفاتحة في كنيسة شوازيه الموجودة في جنوب باريس.. كان المواسون يتوافدون على البيعة ويقرأون الفاتحة مستمعين الى آيات الذكر الحكيم ببالغ الخشوع، وفي اللحظة نفسها كانوا يشاهدون اخوانهم المسيحيين يؤدون طقوسهم الدينية في مكان مجاور من الكنيسة نفسها.. ويستطرد مرسل الرسالة كاتبًا: إن هذه المناسبة لم تكن الاولى، لان مناسبات مماثلة كثيرة جرت وتجري في هذا البيت المقدس عندما يكون مسجد باريس مشغولا بمناسبات اخرى..
إنه لعزاء فيه غبطة وحبور عندما نرى الموت يوحّد الناس أمام خالقهم.. فاذا كان الموت هكذا، ألا تقدر الحياة نفسها على توحيد البشر بالمودة والتآلف؟!..
إن صدر كنائسنا ومساجدنا من الرحابة بأن يتسع لكل من يردد:"لكم دينكم ولي ديني".
