ما بين مؤتمر الاعمار، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية

single


تشهد الساحة الشرق أوسطية حراكًا دوليًا مكثفًا ونشاطًا سياسيًا ودبلوماسيًا هامًا، يرافقه تحركًا جماهيريًا شعبيًا، قد يبشر بميلاد مرحلة جديدة، أو بالأحرى قد نكون على أعتاب الدخول في بداية نهاية الصراع الشرق أوسطي، أو ربما تقاسم الحل والنفوذ للقفز إلى مرحلة جديدة في الصراع العالمي، إما الدخول تحت المظلة أو العباءة الأمريكية والأوروبية للسيطرة على العالم، أو إغراق العالم بالمزيد من الصراعات والحروب، في محاولة لاستنزاف وإهلاك الشعوب وإجهاض قواها التحررية والقضاء على سندها السياسي في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وباقي المنظمات الدولية ونعني بذلك كل من روسيا والصين.
على كل حال لم ينتهي الصراع العالمي بحل قضية هنا وإشكال أو أزمة هناك، وإنما يتجدد الصراع دائمًا ويتغير شكله، بينما يبقي الجوهر الأساسي للصراع بين الخير والشر، بين الغني والفقير، بين المالك لوسائل الإنتاج وبين المحروم منها، بين المستغِل والمستغَل، بين الفكر الثوري المتنور والفكر الداعم لترسيخ الملكية في اغناء الأغنياء  نتيجة التسلط والحروب، مدعومًا بالفكر الظلامي الديني الغيبي المتزمت إلى حد ممارسة الفاشية الدينية الآخذة في الانتشار في شرقنا المتصارع، ما بين شعوبه التواقة إلى الحرية والديمقراطية والاستقلال والتحرر من الهيمنة الأجنبية، وبين قوى وعناصر الإرهاب والتكفير الديني والحركات الداعشية والقاعدية حتى أنصار الشريعة والنصرة. هذه القوى المدعومة من أكثر عناصر رأس المال في العالم العربي وبتوجيه وتنسيق مع الدولة الأكبر في حماية ورعاية الإرهاب العالمي، الولايات المتحدة ودول شمال الأطلسي.
تعالوا نقرأ المؤتمر الدولي لإعادة اعمار قطاع غزة، الذي عقد في القاهرة منتصف الشهر الحالي. من الأهمية ان يخرج هذا المؤتمر بمكاسب ونجاحات عملية وسريعة في تسريع عملية البدء بإعادة الاعمار وتخفيف المأساة عن أهالي غزة. ثم واجب المجتمع الدولي وبشكل خاص الدول الغربية التي دعمت الآلة والسياسة العسكرية لحكام إسرائيل، وهما شريكين في الخراب والدمار، إلي تحمل مسؤوليتهم عما جرى للبشر والحجر والشجر في قطاع غزة، الإسرائيليين والأمريكيين والأوروبيين هم وحدهم المسؤولين عن قتل القتيل والسير في جنازته وإعادة إحيائه من جديد، لكن شعبنا كان اقوي من عملية القتل والاندثار والإبادة الجماعية لمؤامراتهم المستمرة. خطة الاعمار والمؤتمر الدولي يتوقف نجاحهما إلى حد كبير في توفر النية الصادقة للبناء والمساعدة من الأطراف المسؤولة مباشرة عن الحرب، وفي توفير المال وستوفره الدول والحكومات الغربية التي أنتجت الحرب وكذلك دول الخليج وغيرها من الدول الأكثر ثراء في العالم. لكن هل ستكون إعادة الاعمار في غزة، مشروطة بتفاهمات سياسية وأمنية تؤدي إلى تنازلات فلسطينية لصالح مشروع الاعمار وتأتي على حساب الدم الفلسطيني وتنتقص من مشروع الوحدة الوطنية التي أصبحت حجر الزاوية ومفتاح الحل للمرحلة القادمة في مشروع المواجهة مع العنجهية الاحتلالية لحكام إسرائيل، عبر فتح مواجهة سياسية ستكون ساحاتها المجتمع الدولي عبر منظماته الدولية من مجلس الأمن والأمم المتحدة وصولا إلى محكمة الجنايات الدولية.
الولايات المتحدة تلوح من جهتها في المؤتمر الدولي للاعمار، ان من الممكن عدم توفير مبلغ 4 مليارات لإعادة البناء والاعمار، هذا يعني أولا تكريس العقبات أمام برنامج الاعمار، ثم محاولة الأمريكيين تزعم الدول المشاركة في البرنامج وفق السياسة الأمريكية ومصالحها في محاولة لابتزاز هذه الدول والضغط على الجانب الفلسطيني من خلال الضرب وتحمل الوجع لأكبر فترة ممكنة بهدف زيادة معاناة مليون و 800 الف فلسطيني هم سكان قطاع غزة، وبالتالي الضغط على مجموع الفلسطينيين ومحمود عباس بالذات، بعدم الذهاب إلى المنظمات الدولية لطرح قضية إنهاء الاحتلال من جانب واحد، وان قضية الاعمار تتطلب اولا حسب المفهوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك، الشروع والعودة إلى طاولة المفاوضات. دون تحديد سقف زمني لها طويلة الأمد تخلو من برنامج سياسي ينهي الاحتلال كليًا، ولا دولة فلسطينية واضحة المعالم سوى الحبر على الورق.
ان الأولوية السياسية والوطنية المطروحة أمام الجانب الفلسطيني والمواطن الغزاوي الذي يفترش الأرض ويلتحف السماء، هو إعادة بناء ما دمرته الطائرات والصواريخ والدبابات الإسرائيلية خلال 51 يومًا. هذا الأمر ليس مجرد أرقام وإنما حقائق على الأرض تنذر بعواقب كارثية ليس لأهالي غزة وإنما لمجموع الشعب الفلسطيني ولقضية السلام المنشود بين شعوب المنطقة، فعدم حل قضية إعادة البناء وتحمل مسؤولية الحرب والعدوان يزيد من تعقيدات الحل مع الذين تسببوا في المشكلة، ويدخل المنطقة في دوامة جديدة من الحروب والمواجهات الجديدة.
مؤتمر القاهرة للبناء والاعمار في غزة يجب ويتطلب تحديد سلم أولويات وعلى رأسها تحميل إسرائيل مسؤولية الخراب والدمار الذي زرعته ورعته الولايات المتحدة، تجاه أهالي غزة، ومسؤوليتها عن قتل أكثر من 2200 شهيد وإبادة عائلات بأكملها عن الوجود الإنساني وأكثر من عشرة آلاف جريح ومشوه وغيره. على حكام إسرائيل تحمل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية والاقتصادية بدفع تعويضات كاملة للأهالي والمثول أمام محكمة الجنايات الدولية. فعلى المؤتمر المذكور وبتعهد أمريكي وأوروبي وروسي بعدم تكرار ما جرى والعمل على لجم وتقويض وكبح وقمع سياسة التوسع والاحتلال والحرب والاستيطان الذي يمارسها حكام إسرائيل تجاه الفلسطينيين منذ سنوات كثيرة.
ان الأجدر والأسرع بقرارات المؤتمر وسرعة التنفيذ هو إجبار إسرائيل عل فتح المعابر وضمان حرية التنقل بين غزة والضفة ونقل البضائع والمواد الضرورية في إعادة البناء، ورفع الحصار كليًا عن قطاع غزة، ان تركيز أبحاث المؤتمر على الجانب الاقتصادي والمالي مع أهميته يحرر حكام إسرائيل من المسؤولية السياسية ويعفيها من أخلاقيات التعامل والمطالبة الشرعية والقانونية بموجب الأعراف الدولية. فعلى إسرائيل ان تكف وبشكل نهائي في الحفر تحت أساسات الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تحققت من اجل هدمها، في محاولات إسرائيل لدق أسافين التفرقة والتشرذم بين فتح وحماس وباقي مكونات الشعب الفلسطيني. لم يكن الذهاب إلى مفاوضات القاهرة لتثبيت وقف إطلاق النار والوصول إلى اتفاقيات وتفاهمات تفضي إلى رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني في مرحلة ما بعد العدوان الأخير، إلا عبر موقف فلسطيني موحد وان عجلة انجاز مشروع الوحدة الفلسطينية والتي أنجزت أخيرًا وهو إحدى المكاسب الهامة التي حققها الشعب الفلسطيني مؤخرًا، وان صفحة الانقسام الذي بنى حولها حكام إسرائيل الكثير، قد انطوت مرة والى الأبد. فالذهاب إلى مؤتمر إعادة الاعمار كان بموقف وقلب وعقل فلسطيني واحد ووحيد.
فمفهوم تعميق الوحدة الداخلية أصبح أهم ميزات السياسة الفلسطينية وانطلاقتها على الصعيد الداخلي والخارجي، في تقييم الصراع والتعامل معه وكيفية كسب قوى وأقطار وحكومات جديدة أحوج ما يكون لها نضال الشعب الفلسطيني للوصول إلى تحقيق أحلامه في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة المستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية.
فالمطلوب فلسطينيًا قيادة وشعبًا وعلى ارض الإجماع الفلسطيني الموحد والشامل وما يتطلبه الوضع الجديد، هو بناء ما يسمى حالة الردع الفلسطينية العربية للحيلولة دون تكرار العدوان مرة أخرى.
ان عدم كسر الإرادة الفلسطينية والمقاومة في غزة، وتحقيق مكاسب سياسية تفضي إلى الاعتراف الدولي بوحشية العدوان، ولإقرار بالاعتراف بضرورة إنهاء الاحتلال وتحقيق المطالب الفلسطينية بإقامة الدولة في حدود 67 ووقف الاستيطان وتشديد المقاطعة الاقتصادية والثقافية والعلمية وكل أشكال التعامل مع دولة الاحتلال ومؤسساتها، يوازيها التحرك الفلسطيني الواسع من مفاوضات القاهرة ومؤتمر إعادة البناء واحتلال الساحة الدولية وتحرك دبلوماسيًا وسياسيًا عبر المنظمات الدولية، كل ذلك يشير بان سياسة الردع يجب تقويتها باستمرار على قاعدة تقوية اللحمة الداخلية على أساس برنامج واحد يفضي إلى تجريد حكام إسرائيل من سياسة المبادرة والمناورة والالتفاف على كل جولات المفاوضات السابقة والقادمة والتي تقف ورائها إسرائيل وراء سياسة "البحث للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين". وأما مؤتمر إعادة  الاعمار فكان  يجب ان يتحول إلى منصة ومؤتمر ليس اقتصادي ومالي صرف "وهذا غير مضمون" لان العراقيل ستكون كثيرة من الأمريكيين والإسرائيليين الساعين إلى إحباط الجهود الفلسطينية عالميًا، وإنما على مؤتمر القاهرة للاعمار في غزة، ان يهدف إلى الإقرار السياسي وان يفضي إلى قرارات وسياسة واضحة تحجم وتقلص وتلزم الإسرائيليين على الانصياع لقرارات الأسرة الدولية والرأي العام العالمي بما فيها التحولات السياسية في أوروبا تجاه الدولة الفلسطينية وأهمية الاعتراف السياسي والشعبي فيها، واحترام مقررات الأمم المتحدة بضرورة تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية والسياسية على ترابه الوطني المستقل في حدود 67 وبناء دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إننا نأمل ان لا يتحول مؤتمر القاهرة لإعادة الاعمار والبناء في غزة إلى مجرد مؤتمر "لطزع الحكي" واظهار النوايا الحسنة والمجاملات الدولية والدبلوماسية بهدف امتصاص المعاناة والألم والهم الفلسطيني في فترة ما بعد الحرب والعدوان ونحذر المانحين والقيادة الفلسطينية وراعي المؤتمر مصر والنرويج من الوقوع في مصيدة التلاعب والمجاملة والتحايل على أهم ما ورد في المؤتمر وضرورة الخروج إلى التنفيذ السريع في تقديم كل ما يلزم لرفع المعاناة عن أهالي غزة خاصة والشعب الفلسطيني عامة.



(كويكات / أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نـور إلـيـاس الـحـاجّ (أبـو تـومـا): عـاش بـهـدوء... وبـهـدوء رحـل

featured

مخطط ضد وادي عارة

featured

وبعد.. بإنتظار "البدائل التاريخية"

featured

الإسكان لدى العرب - بين مطرقة التمييز وسندان التقصير

featured

نحن والنضال الاجتماعي

featured

أي "صفقة حزمة" يعد لها نتنياهو

featured

سلمان الناطور .. ستون عاماً من العمر والذاكرة

featured

قراءة للدلالات الخطيرة لخطاب الرئيس بوتين الأخير