// لا يمكننا مواجهة هذه السياسة الرسمية من خلال اطلاق الشعارات، انما عبر مهننة طواقم العمل في سلطاتنا المحلية وتنظيم أنفسنا ضمن أطر شعبية مرافقة ومراقبة للعمل البلدي ومتابعة لقضايانا المختلفة، علّنا بهذا نحقق ونساهم في تحقيق حاجاتنا وإحقاق حقوقنا
1
نتناول، في هذه العجالة، أزمة السكن والمسكن في المجتمع العربي في ظل الاحتجاجات التي اندلعت في اسرائيل في الاسابيع الاخيرة، والتي عبر من خلالها أبناء الطبقة الوسطى في إسرائيل، وهم بالأساس من المجتمع اليهودي، عن مدى الأزمة وحرقة اسقاطاتها عليهم وعلى عائلاتهم.
هذه الأزمة، وإن اشتدت عليهم، فهي نتاج الرأسمالية الخنازيرية التي حذرنا دائما أنها لا تطال الطبقات الفقيرة المسحوقة في المجتمع في إسرائيل فحسب، وانما تطال فيما تطال كذلك ابناء هذه الطبقة الوسطى، الذين لم يعد بامكانهم لا امتلاك الشقق السكنية ولا حتى القدرة على أجرتها، نتيجة جشع رأس المال بأكثر ما يمكن من مدخولات وأرباح يدفئ بها ما عنده من أملاك ومدخرات مادية.
إن سياسات الحكومات المتعاقبة غير الاجتماعية لم ترحم الطبقات المسحوقة أبدا، وكان المواطنون العرب أول المتضررين من هذه السياسات، وحين كانت تصرخ هذه الجماهير صرختها المطالبة بإنهاء سياسات التمييز ضدها، كان المجتمع اليهودي بغالبية ابنائه يهب للدفاع عن هذه السياسات والتعبير عن دعمه لها. وكان ذلك بالأساس من خلال الدعم الانتخابي الذي قدمه المجتمع اليهودي للأحزاب الحاكمة.
أكدت الجماهير العربية دوما على حقها بالعدالة الاجتماعية والمساواة، ومن بين المحاور الاساسية في قائمة هذه المطالب التاريخية كان الحق في المسكن، وبوقف هدم البيوت، واعطاء التراخيص اللازمة، وتخصيص الأراضي وتوسيع مسطحات البناء ومناطق النفوذ، وإقرار الخرائط الهيكلية وغيرها من المطالب التي مر عليها عشرات السنين، وها هي ازمة السكن ما زالت عالقة لا بل وتتأزم.
2
اراضي "الكيرن كييمت" ليست للعرب
نعد كجماهير عربية في هذه البلاد حوالي الـ 20% من مجمل السكان، الا اننا نعيش على ما لا يزيد عن 2.5 % من مساحة دولة اسرائيل، ونملك حوالي 3% من مساحة الدولة؛ 2% معدة للبناء و1% للاستعمال الزراعي. ملكية المواطنين اليهود الخاصة على الأراضي هي حوالي الـ 3.5 %، والدولة تسيطر على حوالي 93% من مجمل الأراضي في الدولة. وهي تدير أراضيها من خلال "دائرة أراضي إسرائيل".
الجدير بالذكر أن حوالي الـ 13% من هذه الاراضي هي بملكية "الكيرن كييمت"، وحسب دستور "الكيرن كييمت" فأنها تملك هذه الاراضي لاستعمال "الشعب اليهودي"، وبهذا فأننا قانونيا حتى اليوم ورغم قرار "التماس قعدان" لا نستطيع الحصول على أراضي من "الكيرن كييمت" واستعمالها، ناهيك عن قانون لجان القبول الذي سن مؤخرا. طبعا هناك 80% من الأراضي نحن غير قادرين على استعمالها نتيجة السياسة؛ لأنه مسيطر عليها من قبل "دائرة اراضي اسرائيل" وذلك رغم وجودها في مناطق نفوذ سلطاتنا العربية وضمن الخرائط الهيكلية أيضا.
حسب فحص أجراه المركز العربي للتخطيط البديل، فإن احتياجات المجتمع العربي في الأعوام بين ال 2005 حتى 2009، كان 55000 وحدة سكنية مقارنة بـ 217000 وحدة في المجتمع اليهودي. ويفيد البحث بأن "دائرة أراضي اسرائيل" وفّرت نسبة 21% من الأراضي لسد هذا الاحتياج الكبير في الوسط العربي، بينما في الوسط اليهودي فقد وفّرت 63% لسد احتياجاته، هذه المعطيات إنما تؤكد ادعاءنا حول سياسة التمييز العنصرية والمجحفة.
3
هناك معيقات ذاتية أيضًا
ان أزمة السكن في البلدات العربية تتمثل في عدم تطور المدينة او القرية وتوسيع مناطق نفوذها، وإقرار خارطتها الهيكلية وغيرها وغيرها من العوائق. وهذه المعيقات هي بالأغلب نفس المعيقات في غالبية القرى والمدن العربية ، وهي غالبا معيقات نتيجة السياسة نفسها التي أتينا على ذكرها. طبعا بالاضافة للمعيقات الذاتية الخاصة في كل بلد وبلد، وكل بلداتنا لا تخلو للأسف من هذه المعيقات الذاتية.
هناك بلدات عربية خرائطها الهيكلية المصادق عليها هي منذ اوائل التسعينات. وواضح انها لا تجيب عن الاحتياجات الراهنة. والخرائط الهيكلية الجديدة التي تم ايداعها في العام 2010 او 2009، وهي معدة لسنة 2020، بحيث لو صودق عليها بعد طول سنين، ولربما بمرور عدد من السنوات، من مفروض ان تجيب عن احتياجات الناس حتى العام 2020، ولكن من المعروف أن الخرائط الهيكلية يطول أمر إقرارها، فحتى ذلك الحين لن يتمكن أهل المدينة او القرية من استصدار تصاريح للبناء وفق هذه الخارطة الجديدة، وانما وفق الخريطة المصادق عليها والتي بالتأكيد لا تلبي احتياجات اهل المدينة. وهذا التقصير متعلق بالأساس في سلطات التخطيط والبناء وليس بالسلطة المحلية رغم أنها تتحمل أيضا جزءا من هذا التقصير.
هنالك مساحات كبيرة من الأراضي العامة في مناطق نفوذ ومسطح البناء في البلدات العربية، الصالحة للبناء، والتي لا تقوم "دائرة أراضي إسرائيل" في تحضيرها وتسويقها أسوة بما تقوم به في المجتمع اليهودي. نحن نعرف سياسة التهميش وسياسة الاهمال، لكن ايضًا بعض سلطاتنا المحلية لا تقوم بالمتوقع منها، كجسم مهني، ولا تهتم بأن تصادق لجنة التخطيط والبناء على هذه القسائم للتسويق، وطبعًا بدون ذلك لا يمكن تسويقها.
4
السلطات المحلية العربية ولجان التنظيم
خمس سلطات محلية عربية فقط تشكل بحد ذاتها لجنة التخطيط والبناء المحلية، وغالبية بلداتنا العربية موجودة في سلطة لجان تنظيم وبناء مناطقية، تتمثل فيها السلطات المحلية التي ضمن نفوذها بممثلين يقوم المجلس البلدي بانتخابهم ويقر تعيينهم وزير الداخلية، بالاضافة لرئيس اللجنة الذي يعينه وزير الداخلية.
من المفروض من ممثلي السلطات المحلية في اللجنة ان يديروا شؤونها، ولكن وللاسف تشير كل الدلائل ان ممثلي سلطاتنا المحلية في هذه اللجان يدارون من قبل رئيس اللجنة وليس العكس، وهذا الوضع يزداد سوءا عندما تحل السلطة المحلية وتعين مكانها لجنة معينة كحال اكثر من 20 سلطة محلية عربية. ويكون ممثلو المدينة في لجنة التخطيط والبناء هم أيضا ممن عينتهم وزارة الداخلية وليسوا منتخبي الجمهور الذين من المفروض ان يهتموا بمصالح بلداتهم.
إن أزمة السكن في إسرائيل عامة تنبع من سياسة اقتصادية رأسمالية لا تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الفرد للحق الاساسي في المسكن، وعندما يجري الحديث عنا كجماهير عربية فأننا بالاضافة لكوننا ضحية هذه السياسة، فأننا ضحية لسياسة التمييز ضدنا على إساس انتمائنا القومي؛ وذلك، من خلال وبواسطة، القوانين العنصرية أيضا والممارسات التي تضيق علينا أكثر وأكثر.
بالمقابل الأجدر بنا أن نتحدى هذه السياسة ليس من خلال اطلاق الشعارات فقط، وإنما من خلال مهننة طواقم العمل في سلطاتنا المحلية. ورغم أن هناك قفزة نوعية في السنوات الأخيرة في هذا المجال، إلا أن النتيجة أحيانا توصلك لاستخلاصات تشكك بقدرة ومهنية بعض الممثلين بالسلطات المحلية، وبعض المهنيين، وصولاً الى التفكير بوجود "تواطؤ" مع السلطات الرسمية لاحباط تقدمنا في هذا المجال. ونعني بالسلطات "دائرة اراضي اسرائيل" ولجان التخطيط والبناء.
لا نريد ان نقع في فخ، لربما انه غير موجود أصلا، ونتوهمه نتيجة ما نعاني منه كمواطنين أحيانا، أيضا بسبب عدم مهنية القيمين على بعض أمورنا وهمومنا، ولكن علينا بالتأكيد، وعلى جميع المستويات، الشخصية والحزبية ومؤسسات المجتمع المدني والمهنية، على اختلافها، ملاحقة ومراقبة وتوعية جمهورنا وممثلينا لما يجري وممكن أن يحدث لو سهينا عن مصالحنا، وهذا يتطلب منا تنظيم أنفسنا ضمن أطر شعبية مرافقة ومراقبة للعمل البلدي ومتابعة لقضايانا المختلفة، علّنا بهذا نحقق ونساهم في تحقيق حاجاتنا وإحقاق حقوقنا.
(الكاتب محام. مدير مشاريع في مركز مساواة)
