سلمان الناطور .. ستون عاماً من العمر والذاكرة

single

سعدنا مساء أمس، بلقاء سلمان الناطور، الذي تابعناه منذ سنين طويلة، دون أن نعرفه شخصياً. كانت المناسبة، هي حفل توقيع سِفر من أكثر أسفار الذاكرة الفلسطينية تشويقاً، إذ ترقد بين دفتيه، ثلاثة كُتب في هذا السياق: ذاكرة، سِفرٌ على سِفر، انتظار. وبدأ حفل التوقيع، بقراءة للأديب والناشر الصديق فتحي البس، صاحب دار الشروق الفلسطينية ـ الأردنية، الذي قدم ورقة لو أتيح له أن يقرأها، عبر شاشة من ذوات المشاهدة المكثفة، وأُعطي الزمن نفسه الذي تستغرقه واحدة من أغنيات أو رطانات البرامج الموسيقية؛ لأقبل الملايين على طلب اقتناء العمل البديع لسلمان الناطور، الذي كان له عنوانه العام: ستون عاماً.. رحلة الصحراء!
*   *   *
لسلمان الناطور ما يميزه كاسم وتجربة انبثقا عن مناخ النضالات المبكرة للفلسطينيين الذين مكثوا في وطنهم على الرغم من كل الكوابيس. فقد نضجت أحاسيس الجيل الذي منه سلمان وشب بعد النكبة، على أرض فلسطين. وتسلم الصغار من الكبار >مفكرة< الحياة في الوطن. فمن خلال مؤسسة سياسية وثقافية مركزية كـ >الاتحاد> الحيفاوية، التي  انتزعت دورها ومكانتها على خارطة الوعي الوطني، في ظروف صعبة؛ التقى إميل توما، المناضل والمؤرخ وحارس الذاكرة، المولود عام 1919 مع اليافع الذي كانه سلمان الناطور المولود بعده بثلاثين عاماً بالتمام. من هنا، يطمئن الفلسطينيون الى تواصل أجيالهم الحافظة لسطور الحكاية عن ظهر قلب. ولعل لحظة من التأمل، تقودنا الى كثير من المفارقات. فإميل توما يكتب >جذور القضية الفلسطينية> أما الذين جاءوا بعده، ومن بينهم سلمان الناطور الذي عمل مديراً لمعهد إميل توما للدراسات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فإنه يسافر في أعماق الوجدان الشعبي، وينضم الى فريق ممن تعهدوا بجمع التاريخ الشفوي الفلسطيني، في مناطق الـ 48 ويرتب مشاهداته الشخصية وتجربته وحكايته، صورة صورة. فمن خلال حضور كهذا، أو من خلال إرث هذا الجيل الذي اعقب النكبة، يطمئن الوطنيون الى سلامة الذاكرة والى استمراريتها. وفي هذا السياق، يُذكر دور الراحل توفيق زياد والراحل محمود درويش، الذين صورا لواعج القلب الفلسطيني، ويُذكر سميح القاسم وآخرون!
*   *   *
لا مجال هنا لاستعراض المؤَلف الذي احتفلنا أمس بتوقيعه، في دار الشروق التي أخذت على عاتقها كل تبعات الانحياز للفكرة وللخلجة وللذاكرة، إن كانت تتعلق بالوطن والقضية. لكن سلمان الناطور، في حديثه عن تجربته وذاكرته، قدم الكثير من اللقطات التي لم تختصر الماضي وحسب، وإنما كثفت المشهد الراهن، بمفردات غير تلك المستخدمة في برقيات الأنباء. وبحكم معاناة خاصة وراهنة، تأملت طويلاً، عنوان ومدلولات الكتاب الثالث وهو >انتظار>. قال سلمان: نحن شعب أريد له أن يألف الانتظار وأن لا يضجر منه، وظل الانتظار سمة حياته. ولم يكن ثمة مجال لأن أقول لسلمان الناطور، إن لمحة انتظار واحدة، لم يتنبه اليها أحد، جعلت غزة بسكانها المليون والنصف مليون في الداخل، ونحو مليون آخر في الخارج، ينتظرون الانفتاح السلس والطبيعي للمعبر الوحيد الذي يربطهم بالعالم، لنحو خمس سنين، وما زال الانتظار مستمراً!
كان سلمان يتحدث عن انتظار الدولة، وانتظار الكرامة وانتظار الحرية وانتظار العدالة. وكان فيما يقوله، يلخص الفكرة، بدءاً من كل ما مضى، وصولاً الى كل ما هو آت، عندما ينخفض سقف المُنتظر، من كل انتظار!
نهنئ سلمان الناطور، لمناسبة عامه الستين من العمر، بتوقيع الكتاب الذي يروي رحلة ستين عاماً من الذاكرة!

 


www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

السكوت عن الفساد... فساد

featured

خطاب واضح رغم ضبابيته

featured

السعودية: نساء يدفعن ثمن هزيمة الرجال

featured

تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة، جريمة!

featured

&#34;موشيه&#34; لم يتعلـّم

featured

مخاطر السياسة الأميركية على قضيتي القدس واللاجئين

featured

ترامب يزعق بوعد بلفور الثاني

featured

تصريحات ترامب بضاعة فاسدة لا مشترين لها