"موشيه" لم يتعلـّم

single

استدعاء الإعلاميين عمر دلاشة وعلاء بدارنة، مراسلي صحيفة بانوراما وموقع "بانيت"، للتحقيق معهما من قبل الشرطة الإسرائيلية، على خلفية مظاهرة يوم الأرض في سخنين، يحمل أكثر من دلالة. فهذا الاستدعاء، أولاً، هو مؤشر إضافي على تقوقع الأجهزة السلطوية – وبضمنها الشرطة – في ذات المساحة المفضوحة في التعامل مع الصحفيين في البلاد، إذا كان الموضوع مرتبطًا بالصحفي العربي. وهو، ثانيًا، يركّز على عقلية  الفعل الاستخباراتي التي ما زالت متجذرة في التعامل السلطوي مع "الساحة العربية". وهو ثالثًا – وهذا المهم – يؤكد على نهج الترهيب وإحالة كل موضوع إلى "القضية الأمنية".
غالبًا ما يجري تضمين هذا الإجراء بمقولة "حاكمك ظالمك". لكن، في الوقت نفسه، لسنا في موقع الدفاع عن النفس في هذه الموضوعة، بل في موقع الهجوم. وصحفيونا ليسوا "وشاة" لموشيه أو يحزكيل أو أمنون.
ليس من قبيل الصدفة التفكير بالاستدعاء. هذه عقلية تحكمها النظرة الاستعلائية: يحق للعبري اليهودي أن يتصرف مع العربي كيفما يشاء ومتى شاء. والتخويف، عمليًا، يريد حجب الصحافة عن دائرة المعلومات والمعارف والتحليل، لتبقى رهينة لعقلية "سيدي موشيه" ضمن سياق "صحافة الوشاة". ويقف "سيدي موشيه"، بهذه الفعلة، عاريًا "بزيق ربّه"، على غرار أيام الرقابة والتشطيب واغلاق صحف، أيام الاعتداء على الصحفيين العرب، أيام ملاحقتهم، والتحقيق معهم ومنعهم من القيام بواجبهم الصحفي في الكثير من الأحيان.
ما زلت أذكر تلك الأيام في "الاتحاد"، حيث كنا ننتظر الرقيب العسكري ليصادق على نشر  أخبار، وبالذات أيام الانتفاضة الأولى. كان ممنوعًا علينا نشر خبر يتعلق بالانتفاضة دون تمريره إلى الرقيب. وكان الخير يجعلنا، دائمًا، في حالة انتظار ما بعد منتصف الليل. ثم يعود إلينا بتشطيب أجزاء من الخبر بحجة "المصلحة الأمنية". وأحيانًا يشطب خبرًا كاملاً. وذات مرة شطب خبرًا رئيسيًا بحاله. احترنا، في حينه، ماذا سنفعل. فهذا الرئيسي بالصفحة. وكان القرار: وضع صورة طفل يواجه جندي ويمد له الأصبع الوسطى. وهذا كان تعبيرًا عن موقفنا من الرقيب في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل!
يبدو ان "موشيه" لم يتعلّم. ويبدو المشهد، الآن، أكثر طرافة: نذهب إلى التحقيق. نرفض الإجابة على أسئلة المحقق. نمج على سيجارة. ونعود إلى حيث كنّا – حدث جديد يستدعي التحقيق من جديد. و"سيدي موشيه" لا يزال يتوهم أنه، هو هو، "سيدي موشيه"، رغم مرور كل هذا الوقت، فيكتشف، بينه وبين ذاته، انه ما زال عاريًا، كما كان، ونكتشف (نحن)، مرة أخرى، حاجتنا إلى الأصبع الوسطى!

قد يهمّكم أيضا..
featured

رسالة دموية في بيروت

featured

بَيْنَ (تَحْت) و (فوق)!

featured

مجزرة دهمش تكشف عن وجه إسرائيل الحقيقي

featured

بالمُختصر المفيد!

featured

حكومة تمييز وإفقار وفساد

featured

باريس شجعت تعاونًا مع داعش..