"بلا هيلمة"! هذا نحن

single

هل نظفت الشوارع في شفاعمرو من الانقاض وشظايا القنابل وخراطيش البنادق، ومن مشاعر الغضب وشهية الانتقام؟؟
وهل ما صمد امام النار غير المقدسة من المنازل، استعاد رونقه وأمنه وهدوءه؟
كان هذا المحل يعج بالزبائن من عشاق بوظة شفاعمرو المميزة، من كل حدب وصوب، فهل عادت طوابيرهم تنتظر طعم الليمون والمستكا؟؟ واذا كان بالامكان ان نكون اسرائيليين بامتياز، بحيث ندمر غزة – شفاعمرو، هذه المرة – وغيرنا يتكفل باعادة إعمارها، فمن يعيد خيوط النسيج الاجتماعي والوطني الى ما كان عليه قبل ان تتقطع اشلاء؟؟
وهل تماثلت علاقة اهل المغار الى الشفاء، بعدما تحولت شوارعها الى ساحة حرب، وبعض بيوتها الى انقاض او بقايا حرائق منذ سنوات ثلاث خلون؟؟ يومها، هاجر بعض اهل البلدة الى مدن وقرى اخرى بحثا عن الامن والامان لهم ولأبنائهم. تذكروا، وهم يغادرون قريتهم، محاولة تهجير المحتلين لهم سنة 1948، يوم وقف احد وجهاء البلدة بجرأة وطنية نادرة: إما ان نهجّر معا وإما ان نبقى معا! اذ كانت النية متجهة الى تهجير انتقائي، في تلك اللحظة كنا شعبا له مقومات الشعوب والامم. فهل ما زلنا كذلك، ام اصبحنا مجموعة قبائل وفئات وطوائف متناحرة متباغضة متنابذة؟؟! والا، فكيف يمكن للواحد منا ان يتحول في لحظة الى مجرم، ينقض على صديقه وجاره، لأن ابن طائفته في قرية اخرى تشاجر مع شخص ينتمي بالصدفة الى طائفة الجار؟!!
اقول بالصدفة وأصر عليها. فأي منا اختار دينه وطائفته بل قوميته؟ أليست هذه امورا نرثها، فلا فضل لأحد على غيره في هذا المجال؟!
بربكم لا تقولوا لي: "انها السلطة، وانه الشين بيت"! هيك وهيك لأم السلطة! وهيك وهيك لأخت الشين بيت. هل هذا جديد علينا؟ وهل من غير المتوقع ان يرسم عقل السلطة والشين بيت خطة لالهاء الشفاعمريين مثلا، عن قضية محاكمة من "اعتدوا" على "المسكين" نتان زادة؟؟ كان على الشفاعمريين كما يبدو، ان ينتظروا فراغ احشاء بندقية ذي النتانة الزائدة، ثم ان يدعوه لشرب فنجان قهوة، وتناول "صاروخ" بوظة شفاعمرية، يبرد بها "طفره"، و""لاحقون" على التفاوض والتوصل الى اتفاق بشأن ما فعله "المسكين" بركاب الحافلة، في ساعة غضب. ثم ألا يحتمل ان "يطلع" مجنونا؟ وكلهم اربعة قتلى "عربوشيم"!!
رسم ذلك عقل السلطة والشين بيت لكن ماذا بشأن الادوات المستعملة للتنفيذ؟ تلك الادوات التي هي منا وفينا! وكيف يعقل ان يكون بين الشهود ضد وحدة شفاعمرو، متطوعون من ابناء المدينة؟!!
عقب "الحُرَيب" الاهلية في المغار، كنت هناك، وكان تلفزيونهم المحلي يبث برنامجا حول الاحداث، شارك فيه المحامي فريد غانم رئيس مجلس المغار المحلي الحالي، إن لم تخنّي الذاكرة. احدهم روى على الشاشة قال: رأيت شخصا يحمل صفيحة بنزين و"مِسْتهم"، لفتّ نظر الشرطة التي كانت "تحمي" البلدة الى ان ذلك الشخص ذاهب لاحراق احد المنازل. تعال نلقي القبض عليه، واضاف الراوي: صدّني شرطي بفظاظة قائلا: انت شو دخلك؟ فهل اتهامنا للسلطة يفزعها انه "يحكّ لها على بيت جرب".
عرفت من مضيفي نسيبي ان ذلك الشهم المغاري الذي اراد منع ارتكاب جريمة، هو فلان من بني معروف، لا بل اعرف ان الكثيرين من الأباة المعروفيين، تعرضوا للاعتداء الجسدي لأنهم اعترضوا المعتدين.
احيانا يخيل لك ان ما تطور فينا هو ادوات الغزو وطرائقه، في الجاهلية كنا نمشي على الاقدام للوصول الى منطقة نفوذ القبيلة الاخرى. فصرنا نأتي بواسطة الحافلات كي نرتاح قبل خوض المعركة! كنا نتزود بالرماح والسيوف، فصرنا نتسلح بالقنابل والرشاشات والصواريخ، وكلها "فضلة" خير تصاهال، "الله يكثر خيره" كان الهدف آنذاك قطرة ماء تروي ظمأنا فصار الهدف إرواء غل السيد الظالم العنصري!
ونظل نقنع انفسنا بما لسنا مقتنعين به فنقول:
اولا: هذه فئة قليلة جرّت البلد! فما فضل الفئة الكثيرة اذا لم تكن قادرة على احتواء هذه القلة السلطوية المجرمة؟! اذا لم يكن الامر بمثابة "ما يفعله الشيخ يليق للناطور"، فكيف لا يتم التعرف على احد من هذه القلة بحيث تتم معاقبته ماليا واجرائيا؟؟! واذا لم نفعل ذلك، فما الذي يمنعه من العودة الى الجريمة ذاتها، طالما ان هناك من "دعاة الخير والاصلاح" من يدفع كل التكاليف!؟ الحكومة ايضا دفعت بعض التعويضات للمتضررين في المغار!!
ثانيا، هذه عناصر من خارج البلد!!
فهل خارج البلد – أي بلد – هو كوكب آخر من غير مجموعتنا الشمسية بحيث لا يعرفه احد، بل لا يراه احد، بفضل طواقي الاخفاء التي وصلت في حافلات غير حافلات المقاتلين؟؟!
ثالثا: وهذا اكثر التحليلات سخافة وتفاهة وسطحية.
نقتتل عقب كل انتخابات، وتستمر الخصومة والعداوة، ويطول التربص اكثر من عبس وذبيان ومن داحس والغبراء.
وحتى بدون معارك انتخابية، تلقى القنابل على البيوت والافراد والسيارات. تسرق الجوامع والكنائس والمدارس، يطلق الرصاص على الناس، بقصد او عن طريق الخطأ، فيكون تعليقنا:
"هذه الاعمال غريبة عن اخلاقنا، بعيدة عن عاداتنا وتقاليدنا وتراثنا ودياناتنا وتاريخنا"!
صحيح؟؟
الحقيقة انني قمت في هذا المجال بجهد استحق ان تشكروني عليه، طفت في الحارات، تجولت في الاحياء، لففت الشوارع، برمت الازقة، جُلت في الساحات، ابحث عن صينيين او يابانيين او حتى عن هنود، اُحملهم مسؤولية ما يجري في مدننا وقرانا، فلم اعثر لهم على اثر. لكنني وبعد جهد جهيد، عثرت على فتاة فلبينية صغيرة قصيرة وجميلة معا. اطبقت يدي القويتين حول عنقها الرفيع الجميل ايضا، وصرخت بها:
أهو انت يا بنت الحرام!
وعبثا حاولت فك قبضتي واقناعي بان لا ضلع لها في فتننا الطائفية، وهي ليست اكثر من مغتربة تقوم على خدمة جارتنا المقعدة، انا اقتنعت، فهل تصرون على ان ما وقع في شفاعمرو، وما قد يقع في غيرها، غريب عن...!!!
***

 

* تنقير *

لو كان ناجي العلي ما زال على قيد الحياة، لما قال: "انا عربي يا جحش"، ردا على الذي سأله: "انت مسلم او مسيحي.. سني او شيعي.. درزي او علوي.. قبطي او ماروني.. روم كاثوليك او روم ارثو..
بل لو واصل الاستطراد لئلا يزعل الآخرون: سرياني او يزيدي.. طالباني او قاعدي..
فيبدو ان هذا نحن فعلا..


الصورة: التخريب في شفاعمرو بعد الأحداث الخطيرة – "أي منا اختار دينه وطائفته بل قوميته؟ أليست هذه امورا نرثها، فلا فضل لأحد على غيره في هذا المجال؟!".

قد يهمّكم أيضا..
featured

نقد ديمقراطي لمشهد غير ديمقراطي

featured

تماسك داخلي إسرائيلي مقابل تمزق فلسطيني

featured

حول رسالة الحزب الشيوعي التاريخية

featured

إدانة طفل فلسطيني بمحاولة قتل: وماذا مع جرائم الاحتلال؟

featured

الصراع الفكري، وحلم الخلافة الإسلامية (2)

featured

قيود فاشية يجب تهشيمها!

featured

بصدد السلطة الوطنية الفلسطينية

featured

حلب لحضن الأم سوريا