تماسك داخلي إسرائيلي مقابل تمزق فلسطيني

single

على الرغم من إعلان إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، يوم الإثنين 12/1/2009، عن إستعداد حركة حماس للتعاطي بإيجابية مع كل المبادرات لوقف جحيم العدوان والإجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، إلا أن الموقف الرسمي المعلن لحركته هو رفض قرار مجلس الأمن 1860 الصادر يوم الجمعة 9/1/2009، واعتبرته شأناً لا يعنيها. كما رفضته إسرائيل بالمقابل وأعلن أولمرت أن جيشه سيواصل برنامج الإجتياح والهجوم العسكري حتى يحقق أهدافه.
وبذلك سيتواصل العدوان الإسرائيلي المبرمج، وإطلاق النار المتبادل لسببين: أولهما لأن الطرفين، رغم الخسائر التي تكبداها، في الجنود والمقاومين، وفي العناصر البشرية الفادحة وخاصة من قبل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء والتدمير الشامل للمؤسسات الفلسطينية، رغم ذلك لم يستطع أياً منهما توجيه ضربات موجعة لمفاصل الطرف الآخر.
العدوانية الإسرائيلية، استطاعت بما تملك من قوة نيران تدميرية وتفوق تكنولوجي واستخباري وعسكري ملحوظ، وقدرة سياسية دولية مدعومة، استطاعت ونجحت في تدمير قطاع غزة على رؤوس أهله وأصحابه، مخلفة الموت والهلاك للناس الغلابى، فدمرت مؤسساتهم وبناهم التحتية، إسرائيل دمرت قطاع غزة، ولكنها فشلت في تدمير حركة حماس، وتوجيه ضربة موجعة لها تقصم ظهرها، وتدفعها للتسليم بأهدافها، وهو فشل سبق وأن تعرضت له إسرائيل في كل معاركها السابقة سواء ضد حركة فتح أو الشعبية أو الديمقراطية أو الجهاد الإسلامي بسلسلة غاراتها واغتيالاتها المتكررة لقادة فصائل المقاومة، أو برامجها المتكررة ضد حزب الله اللبناني.
وحركة حماس من جهتها نجحت في استيعاب قوة الضربة الأولى وهجماتها، رغم ما تعرضت له من تدمير وفقدان قطاع واسع من مخزونها التسليحي واستشهاد بعض قياداتها الميدانية.
ولكن حركة حماس لهذا الوقت ـ مع الأسف ـ وبعد مرور أكثر من خمسة عشر يوماً من العدوان الإسرائيلي، فشلت وأخفقت في توجيه ضربة نوعية أو ضربات موجعة نحو العدو الإسرائيلي، رغم كل التهديدات والتحذيرات من قبل قادة حماس بأن الإستشهاديين والمفاجأت تنتظر قوات الإحتلال إذا فكرت في اجتياح قطاع غزة أو المناطق المدنية أو لدى بدء الإشتباكات المباشرة بين الجنود والمقاومين.
حركة حماس فشلت في إظهار قدرة نوعية على الصمود أو المقاومة ضد العدو، تدفعه للتفكير أو إعادة النظر في برنامجه العدواني الهمجي المعد، حيث واصل جيش الإحتلال عدوانه بدون معيقات ملموسة تعترض طريقه.
ثانيهما أن الأهداف المعلنة للعدوان الإسرائيلي، ولحركة حماس، لم تتحقق منذ أن تخلى الطرفان عن تجديد التهدئة التي توصلا إليها بفعل الوساطة المصرية يوم 19/6/2008 وانتهت يوم 19/12/2008.
فإسرائيل أعلنت أنها تسعى نحو وقف إطلاق الصواريخ لمناطقها ووقف تهريب وتخزين السلاح لقطاع غزة، وحركة حماس أعلنت أنها لا تقبل تجديد التهدئة بدون فك الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر وخاصة معبر رفح مع الحدود المصرية.
بمعنى أوضح لقد سعت إسرائيل لتحسين شروط التهدئة لصالحها بدون أن تسعى لتقديم تنازلات مقابل تجديد التهدئة، مثلما سعت حركة حماس لتوظيف التهدئة لأغراض سياسية واضحة تتمثل بالإعتراف وإقرار دورها باعتبارها السلطة الشرعية الحاكمة لقطاع غزة، وليست جزءاً من السلطة الوطنية في رام الله، ولذلك ترفض الإقرار باتفاق المعابر الموقع بين السلطة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي في تشرين الثاني / نوفمبر 2005.
ولذلك تواصل العدوان والصدام والمقاومة وإطلاق الصواريخ، لأن الأهداف السياسية وراء إطلاق الصواريخ من قبل حماس لم تتحقق، والأسباب السياسية والعملية للعدوان والهجوم والإجتياح الإسرائيلي لم تتحقق أيضاً، كما أن يوميات المعارك والضربات المتبادلة في العدوان والمقاومة لم توفر لأي طرف من الطرفين توجيه أو تلقي ضربة أو ضربات موجعة تدفعه لإعادة النظر في برنامجه أو في تخفيض سقف مطالبه أو توقعاته.
المشكلة تكمن بين الطرفين ليس فقط في أن العدو الإسرائيلي يقوم بعدوانه وهو متفوق عسكرياً وتكنولوجياً وعددياً، بل يقوم بعدوانه وهو مغطى سياسياً وحزبياً وجماهيرياً من كافة قطاعات المجتمع الإسرائيلي، حيث الإجماع الحزبي والبرلماني والشعبي لحملته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني وكافة قواه المسلحة وفعالياته السياسية ولا يستثني أحداً منها، ولا يفرق بين مقاتل من فتح أو مقاتل من حماس وبين كتائب القسام أو كتائب الأقصى، فالكل في ميزان تقديراته على الأرض هو عدو يسعى لتدميره وقتله، بما فيهم المدنيون الفلسطينيون الذين دفعوا ثمناً باهظاً لهذه المعركة الحزبية بامتياز.
وفي مقابل التماسك الإسرائيلي الذي غطى العدوان والهمجية والإجتياح، انفردت حركة حماس في قراراتها وإجراءاتها رافضة الإنصياع للشرعية الفلسطينية، أو التنسيق مع فصائل المقاومة في ميدان المعركة ومواقع المواجهة، ورافضة كافة نداءات اللقاء والجلوس على طاولة الشراكة الوطنية في المعركة المشتركة ضد العدو المشترك ومن أجل المصير الواحد، وبذلك ظهر العدو موحداً بين حكومة أولمرت وبين نتنياهو، بينما ظهر الجانب الفلسطيني مقسماً ممزقاً يتناول بعضه بعضاً، مؤذياً في بعض جوانبه لبعضه البعض، ولذلك بقيت جبهة الضفة الفلسطينية مجمدة أمام هول وفظاعة المواجهة والخسائر المدمرة والجرائم الإستفزازية على امتداد جبهة قطاع غزة.
لم يقتصر التمزق الفلسطيني على جبهته الداخلية، بل إمتداد إلى عمقه العربي، حيث وسعت حركة الإخوان المسلمين حاضنة حركة حماس وامتدادها، وسعت من جبهة المواجهة لتشمل النظام المصري والمس بالرئيس مبارك بل والنظام العربي، بدلاً من اقتصار المواجهة السياسية على العدو الإسرائيلي المتفوق.
دفع شعبنا الفلسطيني ثمناً باهظاً لخوض معركة غير متكافئة لا تملك مقومات التوازن، ولذلك ينصب الجهد الفلسطيني العاقل مدعوماً بحس عربي مسؤول ودولي متعاطف لتقليل حجم الخسائر المتوقعة، فقد أطل اليمين الإسرائيلي المتطرف مدعوماً من قبل اليمين الأميركي الذي لا يقل تطرفاً عن تقديم عروض لإلغاء قرار وتوجه وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، بعروض تدميرية لحقوق الشعب الفلسطيني وتوزيعها بين إسرائيل ومصر والأردن، بدون أي اعتبار لحقوق ورغبات وتطلعات شعبنا المعذب.

 

hamadehfaraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

" شهرزاد الفلسطينية"

featured

ما بين سوريا ونيكارغوا (2)

featured

عصافير غزة وملائكة الثوار في سوريا

featured

حكومة الكوارث الوطنية

featured

فزاعة الامن تعود للصدارة

featured

وقاحة إمبريالية

featured

أساطير وخرافات صهيونية (1+2)

featured

لمــاذا التحامل على تشافيز؟