نقد ديمقراطي لمشهد غير ديمقراطي

single

*قد تختلف السياسات الاسرائيلية بشكلها وآلياتها وحدّتها، وقد تختلف من ناحية شريحة المستهدَفين، لكنها كلـَّها تصبّ برأينا في اتجاهٍ واحد، وهدفٍ واضح: النيل من مكانة الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد، ومن قدرتها على التأثير على القرارات والسياسات والتخطيط الاستراتيجي، وعلى تطوير وجودها الجماعي كمشروع وطني متكامل يوحِّد ما يزيد عن المليون مواطن عربي*

//

تشهد السنوات الأخيرة تحولات حبلى بالمخاطر بالنسبة لهذا الجزء، الحي والواعي والنشيط، من الشعب العربي الفلسطيني في البلاد، في ظل تزايُد العنصرية المبطَّنة والعلنية، وتصاعُد الفاشية في المجتمع الإسرائيلي، وانتقالها عمليًا ورسميا إلى مركز حلقات اتخاذ القرار السياسي في الدولة، الذي ينتج، فيما ينتج، سياسات ومخططات تمعن في سياسة التمييز والتهميش والإقصاء، التي لم تتوقف أصلاً طيلة العقود الستة الماضية. لكنّ هذه التطوُّرات والتحولات إنما يجب أن تزيدنا عزمًا، كمجموعة قومية أصلية، على السعي المتواصل للحفاظ على عافيتنا الوطنية والاجتماعية والمدنية، ضمن مجهود أهلي وجماعي.
قد لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن نشهد تصعيدًا إضافيًا في عملية تضييق الخناق على الوجود الجماعي والحراك الوطني للأقلية العربية الفلسطينية في البلاد، بدءًا من المحاولات المستمرة لنزع الشرعية السياسية عنها، من خلال نزع شرعية قيادتها السياسية المنتخبة والتمثيلية، مرورًا بالمخططات العنصرية المتجدِّدة في كل ناحية من نواحي حياتنا، ووصولاً إلى سياسات التهميش والإقصاء العامة التي تحتل بوتيرة متصاعدة ذروات جديدة وخطيرة في هيمنتها وإجحافها. قد تختلف هذه السياسات بشكلها وآلياتها وحدّتها، وقد تختلف من ناحية شريحة المستهدَفين، لكنها كلـَّها تصبّ برأينا في اتجاهٍ واحد، وهدفٍ واضح: النيل من مكانة الجماهير العربية الفلسطينية في البلاد، ومن قدرتها على التأثير على القرارات والسياسات والتخطيط الاستراتيجي، وعلى تطوير وجودها الجماعي كمشروع وطني متكامل يوحِّد ما يزيد عن المليون مواطن عربي.
ويبدو لنا أنّ المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية تسعى في السنوات الأخيرة إلى إعادة ترسيم مجمل حدود علاقاتها وتوجهاتها نحو الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، وفرض معادلة جديدة، أو متجدِّدة، ترسِّخ دونية مكانة المواطن العربي، في ظل تكريس ما يسمَّى "يهودية الدولة" كفوقية قومية يهودية مُقوننة دستوريا. ولا يمكننا الفصل هنا بين الإصرار على "يهودية الدولة" ومحاولات فرضها على الشعب الفلسطيني على طرفيّ الخط الأخضر، من جهة، والقضايا أو المخططات المركزية التي تسعى المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة إلى حسمها في السنوات الأخيرة، من جهة أخرى، ضمن معادلة سياسية تشرعن هذا الحسم.

ويمكن الإشارة في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، إلى عدة مخططات أساسية تسعى المؤسسة الإسرائيلية إلى فرضها ضمن المعادلة المذكورة. أولا، تحديد المكانة الدونية للمواطنين العرب في الدولة كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، من خلال مشاريع قوانين عنصرية "على رؤوس الأشهاد" تشرعن إقصاء المواطن العربي وتحدّ من حرياته السياسة الأساسية، بالإضافة إلى حسم قضية ملكية الأراضي في البلاد وشرعنة حصرها قانونيًا بأيد يهودية وبملكية أجسام صهيونية؛ ثانيًا، تقييد المشاركة السياسية والتأثير السياسي للأقلية العربية من خلال تحديد حراكها السياسي والحزبي، وحتى الأهلي، ضمن تخوم أيديولوجية "الدولة اليهودية"، بما في ذلك ملاحقة الأحزاب التي تطرح حدودًا مغايرة وملاحقة الفعاليات والمؤسسات التي تتحدى هذه الخطوط؛ ثالثًا، محاولات فرض "الخدمة المدنية" على المجتمع العربي ضمن مشروع حكومي أشمل لتشويه الهوية العربية الفلسطينية للأقلية العربية؛ ورابعًا، مواصلة الترويج لطروحات الترانسفير أو "التبادل السكاني" ومحاولة "التخلص" من أجزاء إضافية من الفلسطينيين في إسرائيل، على أقل رقعة ممكنة من الأرض.
كما تتزامن هذه المخططات مع مشاريع قانون جديدة، الحكومية منها والخاصة، تسعى من خلالها المؤسسة التنفيذية إلى تقييد عمل المحكمة العليا و"مصادرة" صلاحياتها في إبطال قوانين غير دستورية تمس بحقوق الإنسان، مما يعني إطلاق العنان للمشرِّع الإسرائيلي بالاستمرار في نهجه في السنوات الأخيرة، الذي يقوم على سنّ قوانين جديدة تمس بحقوق المواطن (العربي) الأساسية وتهدِّد ما تبقى من هوامش ديمقراطية في البلاد. وممِّا يزيد من خطورة هذه المخططات في هذه الحقبة الزمنية هو السيطرة السياسية شبه المطلقة التي يملكها اليمين الإسرائيلي اليوم في الملعب البرلماني، والتي تمكّنه من سنّ القوانين التي يهواها دون حسيب أو رقيب. (أنظر قانون منع لم الشمل، وقانون منع التعويضات للفلسطينيين ضحايا الاحتلال، واقتراحات قوانين "النكبة" و"الولاء").
يعلـِّمُنا التاريخ، والأمثلة عديدة، أن النضالات التحرُّرية للشعوب المظلومة هي نضالات شاقة، وعنيدة. وما من وصفة سحرية جاهزة لنجاح هذه النضالات، على تبايُن سياقاتها وظروفها. لكن تبقى الحقيقة الأهم، المجرَّبة تاريخيًا، أنّ القاعدة الأساسية التي يمكن التعويل عليها هي الجماهير، ونضالها الدءوب، المبني على حراكها الواسع ومشاركتها المثابرة. وفي حالتنا، فإنّ مهمة المرحلة للتصدي بحزم وكرامة للمخططات المرسومة هي ضمان هذا الحراك الشعبي الواسع الذي يعتمد على جبهة جماهيرية عريضة وقيادة وطنية موحدة، تعتمد على الاستراتيجيات الجماهيرية المدروسة. لا يمكن الإفراط في التشديد على مصيرية هذه المهمة، ولا يصحّ العبث فيها.

 


الكاتب مدير عام "دراسات"، المركز العربي للحقوق والسياسات، ومحاضر في كلية الحقوق في جامعة حيفا

 

الصورة: احدى مسيرات العودة

قد يهمّكم أيضا..
featured

تفكيك السلطة، وتنصيب دحلان

featured

مغربيات ضد الاعتقال السياسي

featured

قتل من جهة مسؤولة

featured

من هو الأفظع؟

featured

البقاء أم الفناء والسلام أم الاحتلال

featured

ارتياح، أمل وعمل... ونجاح

featured

حصيلة النتائج التنظيمية لمؤتمر "فتح"

featured

تكاثروا تكاثروا..؟!