حين دخلت التجاذبات الفلسطينية الرسمية على الصورة في سنوات الثمانين من القرن الماضي تفسقلنا اكثر مما نحن متفسقلين، ونبزت الحركة التقدمية، وانشقت عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.. أذكر انه ترافقت مع كل ذلك ظاهرة تدفّق الدولارات "علينا"... أذكر أيضًا أنه في أحد مؤتمرات جنيف (التي لم أحضرها) اواسط الثمانينيات حدثني احد المدعوّين عن ظاهرة الشنطة (من نوع جيمس بوند) التي كانت توزِّع النقد الأخضر على المدعوين بحجة مصاريف السفر والاقامة بدون حساب. قلت لمحدّثي : "شنطة مين"؟ قال: "شنطة حمزة". قلت: حمزة مين؟ قال: صاحب الشنطة، فضحكنا حتى الدموع.. وشرّ البلية ما يضحك .
حدثني محدثي أيضا عن التسابق على الأخضر بدون خجل، وعلى إلتقاط الصور مع الرئيس الفلسطيني الراحل وكيف كانت كل "بوزه" ولا أختها على الملأ بدون خوف من الموساد. قلت في نفسي: ساق الله على ايام زمان حين كان كل ذلك يجري سرًا. أما اليوم فكله يجري على المكشوف تحت بصر وسمع العالم. وتلك ميزة القرن الواحد والعشرين. مؤخرًا - وليس للمقارنة أو المقاربة، فشتّان- تمت زيارة وفد "الإزرائيلو بالستينيان" الى ليبيا.. واختلفنا في الرواح وفي الإياب، وعزّرنا على بعضنا البعض بما فيه الكفاية.. لاننا نؤمن بحق الاختلاف والتعددية الفكرية والفئوية. قال أحدهم: وهل أبو يسف الاسلام القذافي يؤمن بالتعددية؟ وهل يؤمن بدولتين لشعبين او بالدمقراطية اصلا؟ وهل محاسبته ممكنة؟ وهل بعد 62 سنة من بقائنا هنا تصح علينا مقولة: تناحكوا تكاثروا..؟
قال أيضا: اسئلة كثيرة تضج في رأسي يتشابك فيها كل ما هو "مع" مع ما هو "ضد" حتى داخل الوفد المحترم.. وهل يُعقل ألاّ نحاسب انفسنا او ان لا يحاسب بعضنا بعضا على هذه الزيارة العبثية. هل بإسم التواصل والتعددية نستطيع أن نتعدى الخطوط الحمراء، ونظل ننفخ في القربة المقطوعة او نتنقل من تحت الدلف الى تحت المزراب؟! قلت بي مثل ما بك يا صديقي... فحين يختلط الحابل بالنابل نخطب خطابا "ثوريا".. نبسمل ونحوْقل ونتحدث عن ارض الرباط والحروب الصليبية والاقتصاد والسياسة والدين اعتمادا على ماركس وتوفيق ومحمود وسميح وانجلز ولنين وستالين الذي حذر منه لنين وهو على فراش الموت ، قائلاً ما معناه : احذروا الرفيق ستالين.. تباطأ الرفاق فتمت تصفيتهم واحدا تلو الاخر وإلحاقهم بالرفيق الأعلى! قال: دعنا من هذا كله.. المهم أنني أحمل في رأسي عقلا نقديًا ولن أسمح لأي كان أن يستخفّ بعقلي. قلت: نعم وبصَمت ثم مهرت توقيعي .
