من هو الأفظع؟

single

 *أهو الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة أم الاجراءات التي فرضت على الفلسطينيين سكان القدس الشرقية وجعلتهم محتاجين للإغاثة؟*


خريجو المخابرات يتباهون بالأمثلة العربية ويتبجحون بأن هذا هو السبيل لكسب ود المحاور العربي. من يسمع هذه الأقوال لا يخطىء وذلك لأن الأمثلة التي تعلمتها في مدرستي للعربية قليلة. أحد الأمثلة تعلمته من أحد القرويين الكثيرين الذين تلقوا أوامر مصادرة أراضيهم. فقد جلس في مدخل بيته ووجهه كوجه من يسير في جنازة. 'أمام من ستشكو ذرة الطحين، عندما يكون القاضي هو الديك؟' أجاب على سؤالي الغبي عما سيفعل. هذا مثل موصى به، حين تنفذ كل الكلمات. مثلا، في المحكمة العسكرية التي تدين وتحبس المتظاهرين ضد سلب الأراضي، مثل أديب وعبدالله ابو رحمة.
المثل الذي يكثرون من اقتباسه والذي يقول شيئا مثل 'من يعش 40 يوما بين القوم يصبح مثلهم'، ليس دقيقا. لسنوات اعتقدت أنه لا يوجد أسوأ مما في غزة، بل وتجادلت مع صديقة تقول أن أصعب الأمور هو أن يكون المرء الفلسطيني مواطناً اسرائيلياً بسبب الحياة في محافظات النكبة، وبسبب العنصرية اليومية التي تختبىء وراء الديمقراطية.
ولكن منذ أكثر من سنة وأنا أتردد بين غزة والقدس. بمعنى أترنح في السؤال من هو الأفظع: الانقطاع والعزلة التي فرضتها اسرائيل على غزة (والتي تضمنت الانقطاع عن مصادر المياه في كل البلاد وقطع العلاقات الثقافية، الاجتماعية والعائلية للسكان مع أبناء شعبهم)، أم التهكم الذي حول فيه مقررو السياسة وموظفوهم سكان شرقي القدس الى محتاجين للاغاثة بل ويتباهون بمخصصات التأمين الوطني التي يعطونها لهم؟
زيارة الى العيسوية حسمت الأمر: قمامة في الشارع، شوارع ضيقة بسبب اضافات البناء بالقرصنة والتي تفرضها محظورات البناء ومصادرة الاراضي الشاغرة كل هذا من تحت أنف الجامعة العبرية والتلة الفرنسية الفارهة الواسعة المثقفة جدا.
جاء تقرير جديد لجمعية حقوق المواطن، ليعزز استنتاجي. وهو يسمى 'مجال غير محصن فشل السلطات في حماية حقوق الانسان في مناطق المستوطنات وفي القدس الشرقية'، ويقوم على اساس شهادات، تقارير صحافية وتقارير رسمية، وموضوعه فقدان الأمن الشخصي والجماعي في الاحياء الفلسطينية المقدسية، حيث في قلبها استقرت على مدى نحو 30 سنة محافل معادية مستوطنون مدعومون من أصحاب المليارات وجمعيات دينية وأثرية.
نحو ألفين من المستوطنين ـ ولا تزال اليد ممدودة ـ يعيشون في نطاقات محصنة ومحمية، داخل أحياء فلسطينية مثل سلوان، الشيخ جراح والحي الاسلامي، التي صممتها اسرائيل حسب الاحصاءات التالية: 65.1 في المئة تحت خط الفقر مقابل 30.8 في المئة من السكان اليهود في المدينة؛ 47.4 في المئة من الاطفال تحت خط الفقر، مقابل 45.1 في المئة بين السكان اليهود؛ ألف صف تعليمي ناقص؛ 50 في المئة تساقط من المدارس؛ 24.500 دونم أرض خاصة أكثر من ثلث الارض التي ضمت الى القدس صودرت من اصحابها الفلسطينيين، واكثر من 50 الف وحدة سكن بنيت عليها لليهود فقط. السلطات، التي تمنع البناء والتطوير عن الفلسطينيين، تخصص لليهود أراضيَ مفتوحة وشاغرة ليس فقط خارج المناطق المأهولة، بل وأيضا في وسطها، سواء لايقاف السيارات او لحدائق التسلية، للحفريات الاثرية، او البناء.
ولما كان الحديث يدور عن جيران ذوي حقوق زائدة، فان الاحتكاكات محتمة ووزارة الاسكان والبناء تخصص لليهود لحمايتهم مئات الحراس المسلحين، على حساب الجمهور (نحو 54 مليون شيكل في 2010). عندما يشكو الفلسطينيون في الشرطة عن أعمال التنكيل، فانهم يكتشفون أن الموقف منهم هو كالموقف من المشبوهين. وعندما يستدعون الشرطة فانهم يشعرون بأنها لا تسارع. وعندما تحقق بالشبهات بالاضرار بالجسد وبالنفس من جانب اليهود فان الملفات تغلق بسرعة. وهكذا فإنهم يتركون لمصيرهم أمام نزعة القوة والسيادة من الغزاة المبعوثين من الجانب الآخر. الخليل ويتسهار ومعون في قشرة قنبلة متفجرة.
الحراس، الذين تشغلهم شركة خاصة، يعتقدون أنه في اطار أداء مهامهم مسموح لهم أيضا ان يضربوا، ان ينكلوا وأن يطلقوا النار. الناس الذين تنتشر مجالاتهم المحصنة هذه في أوساطهم يخافون عند خروجهم ودخولهم. أقرباء للعائلة والاصدقاء يفكرون مرتين قبل أن يأتوا للزيارة. كما ان الضجيج من كل الانواع يميز هذه المجالات: حفريات لأغراض البحث الأثري تستمر حتى ساعات الليل؛ رقص وتهليل يترافقان وهتافات لاسامية، 'إخص'، لا عربية.
التقرير رفع الى عناية الشرطة ووزارة البناء والاسكان. المستشار القانوني للشرطة. المحامي روني ليفوفيتش، طلب من الجمعية تأخير النشر كي يتمكن من فحص كل حالة على حدة. سبعة ايام لا تكفي لفحص جدي، كتب يقول. ومع ذلك، في نظرة أولى قرر أن التقرير 'يصف الواقع بشكل جزئي بل واحيانا بشكل مغرض... وهو يتناول بشكل متسامح أحداث عنف خطيرة وقعت في قرية سلوان، بأعجوبة فقط انتهت دون ضحايا في الأرواح، مثلما في اطلاق النار الحية الذي قامت به خلية مخربين، أعمال الشغب الجماهيرية، القاء الزجاجات الحارقة والحجارة، القضبان الحديدية والأغراض الضارة نحو قوات الأمن...' وكذا، على حد قوله، الشكاوى من المعالجة المخلولة للشرطة تقوم كلها على أساس 'شهادات من حقق معهم كمشبوهين في هذه الاحداث، ما من شأنه بالطبع أن يؤدي الى طرح صورة للأمور بشكل متحيز'.
اريئيل روزنبرغ، الناطق بلسان وزارة الاسكان والبناء، والذي يرد ردا باتا الادعاءات بأن الحراس ينكلون بالفلسطينيين ويثني على مهنيتهم وعلى التوجيهات التي يتلقونها في ابداء ضبط النفس والتجلد كتب يقول: 'في السنة الماضية طرأ تفاقم كبير في الوضع في المنطقة موضع الحديث، والحراس يشهدون أعمالا ً معادية متطرفة'.
(عن "هآرتس")

قد يهمّكم أيضا..
featured

المضيق والضائقة!

featured

فواتير من الدم والمعاناة

featured

أسطوانة نتنياهو المزعجة

featured

الهوية بين الوطنية والقومية

featured

الماركسية... وسرير بروكوست (2-2)

featured

كلام فارغ فى وقت ضائع

featured

بيبي نتنياهو دون كيشوت العصر