جموع الثائرين المصريين على "كوبري" فوق النيل الخالد
طالما عذبتُ نفسي بمحاولاتي الاستحواذية الذاتية لتفسير علاقة الزمان بالمكان. أيهما أقدم ؟ ومن خُلق برحم من؟.هل الزمان ذاك البعد الوجودي الذي لم نفسره حتى الآن؟ هل المكان هو محاولة وجودية محسوسة لذاك الزمان ؟ متى بدأ الزمان وأين؟هل المكان هو تلك الصورة ثلاثية الأبعاد التي نعيشها في واقعنا المحسوس ؟ هل الزمان معادلة الأبد والأزل وما بينهما ؟ وأين مكان ذاك الزمان وكيف سينتهي به المطاف.
ما هي علاقة الانسان بكل هذا؟ هل شرط وجوده الزمني – أي الانسان هو نفس شرط وجوده المكاني ؟.لا اقصد في كل هذا الغور في أبعاد فلسفية وجودية وميتافيزيقية مازالت تُحير العقل البشري حتى هذه اللحظة. زاملتني تلك الخواطر بالذات عندما زرتُ مصر التي تعتبر بحق تاريخي وجودي من أولى الحضارات البشرية التي وجدت على الأرض ومازالت.هي بدون أدنى مبالغة من أعظم تلك الحضارات البشرية التي انوجدت في أحواض الأنهار الكبيرة التي كونت رحم الحضارات. زرتُ القاهرة والسويس وبور سعيد والاسكندرية والأهرام والصعيد القبلي والبحري ووادي الملوك والملكات وميدان التحرير والأقصر والكرنك وأسوان وقنا وأسيوط وأبي سنبل والد ندرة والوجه القبلي والوجه البحري لتلك البلاد العريقة التي وجدت قبل الزمان بزمان وكونت مكان الحضارة البشرية الأول وأصل الانسان. عندما وقفت مرة على السد العالي الصرح الجبار ورأيت عن يساري بحيرة ناصر خلف السد تتوه في الأعماق الأفريقية وعن يميني نهر النيل العظيم يهدر شمالا بين السواقي والغيطان على مد البصر وعلى صفحته الرقراقة السمراء تجلت كل بدع الخلق. عندها أحسست أنني في بداية طريقي في حل معادلتي الأبدية تلك وحوارية الزمان والمكان الوجودية التي تدور في خلدي كلما تنفست وقلت لذاتي جهرا وكأنني ربحت العالم كله "هنا بدأ أصل المكان ومن هنا أطلق الزمان تاريخه البشري الذي نحسه ونعيشه ونرى آثاره الخالدة في كل شبر في وادي النيل العظيم".
مصر كانت مهد الحضارة وهبة النيل ومخزن غلال الامبراطورية الرومانية العظيمة التي دامت قرونا طوالا. هاهي في مشارف القرن الواحد والعشرين تذوب وهْنا وجوعا وعطشا بسبب أبناء غير بررة سرقوا خيراتها وأهانوا تاريخها وعملوا على وأد بعدها العربي والأفريقي والاسلامي والحضاري وجعلوها شبه "جمهورية موز" شرق أوسطية غير ذي همة مرتعا للاستعمار الجديد وللعولمة الاستهلاكية البشعة وللصهيونية العالمية التي تعيث فسادا في جسد الأمة قرنا من الزمان وقد كانت مصر على مر العصور مقبرة للغزاة. نامت نواطيرها وسُرقت كرومها وعزتها ومكانتها العربية والدولية بفضل نظام ديكتاتوري بائس سرقها أحلامها ونهب خيراتها وجعل شعبها الأبيّ العريق شعبا فقيرًا يمد يد العون للغرباء ومن كل حدب وصوب.
مصر أم الدنيا، مصر مينا مؤسس الدولة الفرعونية المصرية الأولى بالتاريخ وموحد الشمال الجنوب في عاصمته طيبة التي دامت ثلاثين قرنا، مصر قطز وبيبرس ومعركة عين جالوت، مصر معركة المنصورة التي كسرت ظهر وشوكة الحملات الصليبية غير المقدسة على الشرق العربي، مصر بلد أحمد عرابي وثورته على الانجليز وعميلهم الخديوي ومعركة التل الكبير،بلد سعد زغلول مفجر ثورة 1919 وبلد عبد الناصر الزعيم العربي القومي الكبير الخالد مُفجر ثورة 1952 أصبحت ضيعة لأشباه المخنثين المَخصيين أحفاد كافور الأخشيدي و أيتام العميل السادات الذي باعها وخيراتها بثمن بخس . كل هذا
وما شاهدناه في زياراتنا الى تلك البلد الأم الحاضنة للهم العربي وللحلم العربي والمستقبل العربي أجبرنا أن نكتب حينها عن العملية الثورية التي رأيناها تختمر هناك على نار هادئة لا بد أنها آتية مع مياه النيل المقدسة من بين أصابع آمون لتعيد الأمور الى نصابها هناك.هاهي قد أتت كما تمنيناها ثورة كرامة وثورة مفاهيم وثورة شعبية علمانية عصرية أبية تعيد الزمن المصري الضائع الى المكان المصري الرائع على ضفاف النيل الخالد. تجرف معها كل وسخ وحثالة العصور وتعيد مصر الى أهلها في ميدان التحرير وفي المدن والقرى وفي النجوع والضياع وفي الساحات والحارات المصرية.جاءت من كل حدب وصوب الى ميدان التحرير ميدان الكرامة والوعي العربي الشبابي المتجدد لتقول بحدة وكرامة للزمن الضائع هناك قف هنا وارحل الى الجحيم هذا هو زمن الثوار الآن.
الحدث الثوري بمعناه الواسع والمهم والواضح هو أن الجديد يحل محل القديم البالي والمُستهلك. هذا يحدث في الأجساد الحية وينطبق حتى على حركة الذرات والمجرات الكبيرة في الكون الواسع. اننا نعيش ثورة الأجساد الحية بالرغم من عدم شعورنا الشخصي بالحدث الواقع عندما تموت الخلايا القديمة وتخلق أخرى جديدة لتتواصل الحياة. الطبيعة لا تهدأ والمادة والطاقة لا تزول بل تتحول من صورة الى أخرى كذلك حال الظروف الاجتماعية للبشرية لا بد لها أن تتطور وتتحول الى صور أرقى. كتبنا في سياق مقال نشر في "الاتحاد" الغراء بعد احدى زياراتنا الى مصر العروبة التي كانت واقعة تحت ظل حكم ديكتاتوري فاسد كاد يفرغها من كل مقوماتها المحلية ونقصد الا قتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك من مقوماتها القومية بعد ان أخرجها عنوة وبمساعدة الغرب والأعداء لقضية العرب من الهم العربي والحلم العربي. اختار ذاك النظام الجائر العميل طريق الشيطان بعد أن أذلها وأذل أهلها الذين تصدروا وقادوا الأمة في ظروفها الصعبة والمصيرية في مختلف حقب التاريخ القديم والحديث.
جاء في ذاك المقال بعنوان "الكتاب العرب والحدث الثوري" الذي نشر في 24.4.2005 " أتانا هذا الهاجس للكتابة عن العملية الثورية بصورة عامة وعن وجوب حدوث ثورة قادمة سياسية اجتماعية في عالمنا العربي لما نراه من هذه التطورات السياسية الاجتماعية الحاصلة ولان هذه التطورات سلبية بمعظمها على الحالة العربية. اذًا لا بد من حدوث شيء يبدلُ ويحولُ هذا الانحدار الرهيب الى هوة التاريخ في صالح العرب اذا كانت هذه الأمة تريد كغيرها التغيير والتحول لتبقى قادرة على الحياة في هذه الظروف القاهرة التي يعيشها العالم الكبير هذا اليوم".
نعم مضت ستة أعوام عجاف أخرى في تاريخ الأمة وها هو الشعب العربي المصري العريق مُبدع الثورات وصانع التاريخ يصنعُ ثورة من نوع جديد ليس في التاريخ العربي فقط بل في التاريخ العالمي. بفضل هذه الثورة من نوع جديد تدخل أمة العرب مرة أخرى الى حقبها الزاهرة بعد أن استكانت ردحا طويلا من الزمن الى الذل والهوان والحكم الديكتاتوري ربما منذ عهد معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول الى يومنا هذا وبالتحديد الى 25 يناير 2011. نعم تدخل مصر ومعها الأمة العربية التاريخ الثوري العالمي من أوسع أبوابه وتسجل ثورة من نوع جديد لم يعرف العالم زخما كزخمها. ثورة سلمية حضارية مُرتبة نظيفة و أنيقة قادتها جموع الشباب الواعي المثقف الذي رأى في الوقت المناسب ضرورة امساك زمام الأمور في حاضر ومستقبل هذه الأمة التي أعطت الانسانية الكثير من علومها وتجاربها وهاهي تهديها بعدا ثوريا آخر مُستلهما من ضفاف النيل ومن قلب الحضارة البشرية ومن حضنها الدافئ. بعد أن فشلت المعارضة التقليدية على مختلف نواحيها وفكرها وأيديولوجيتها من تحريك سكون البحيرة العربية الآسنة عقودا طوالا، بل انها كانت في أغلبها انتهازية آنية تهادن الحكم الديكتاتوري الرابض على صدر الأمة من اجل مكاسب فردية وفئوية بعيدة عن مصالح الشعوب وعن مستقبلها وعن شبابها.
هاهي الجموع العربية المصرية الشريفة الواعية تسقط نظاما فاسدا لا يمكننا الا تشبيهه بنظام كافور الاخشيدي النجس الذي حكم مصر وأذلها وسرقها مرة مماثلة في التاريخ.
بزغت شمس الحرية من ميدان التحرير وانكسر حاجز الخوف للانسان العربي تحت أقدام الثوار الأبطال مرة واحدة والى الأبد. لا يَسعنا الا أن نردد في سرنا كلمات الأغنية التي حفظناها عن ظهر قلب منذ العهد الناصري الثوري الكبير وغنتها سيدة الغناء العربي الى الأبد أم كلثوم "أنا الشعب أنا الشعب لا اعرف المستحيل ولا أرتضي بالخلود بديلا" ولا يسعنا الا أن نفرح وترقص قلوبنا الحزينة ً منذ ألف عام مع تلك البنت الصغيرة السمراء الجميلة التي أتي بها والدها الى ميدان التحرير لتشهد مولد الفجر الجديد في دنيا العرب وهي تضحك من الزمن وتعبث معه بعد أن وجدته خانعا خاضعا لفرحتها ولقرارها الأكيد في زاوية مظلمة بآخر ميدان الكرامة والتحرير " الشعب يريد اسقاط النظام " وهي تغني له مع صلاح جاهين ومع عبد الحليم أبطال ثورة يوليو " صَورنا..صَورنا يا زمان " نعم صور يا زمان فرحة شعب ثائر فرحان تحت الراية المنصورة التي انطلقت من سيدي أبو زيد "أم القرى" في العهد العربي الجديد التي اليها ستحجُ الأجيال العربية الشابة والقادمة ولن تتوقف الراية المنصورة الا بعد أن تسحق كل الحكام الأصنام الذين عاثوا في ارض العرب خرابا وفسادا وتبني أساسا لدولة عربية عصرية مدنية علمانية واحدة من المحيط الى الخليج.
