هذه الكلمات، هي شكلٌ من أشكال التواصل معك والعرفان والوفاء لتلك المشاعر التي تركت لنا من خلالها حباً في قلوبنا وأسماعنا ووجداننا ونفوسنا.
لم أكن أتصور في يوم من الأيام، أن أتحدث عن رحيلك، رحيلك الذي ترك لنا فراغاً في حياتنا وزماننا ومكاننا.
لكن.. هكذا هي الدنيا...
في حضرة الموت، نستعيد دائماً تساؤلات الكون والوجود.
كُتب الكثير في شعرك وسوف يُكتب الكثير الكثير.. وستبقى الكتابة ناقصة بامتياز، لأنّه مهما كُتب عنك، لن تغطي الكتابة المساحة المطلوبة لإعطائك حقّك في الحياة وفي الشّعر وفي الرّحيل الأخير الأخير.
لكن.. ليس هذا ما يُشغل تفكيري وهَدْسِي الآن...!
ما يُشغلني الآن، هو رهبة انقطاع الرَّنين اليومي، لهاتفي النَّقال، بين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة صباحاً، لأسمع عبر الهواء النقي، صوتاً أحببته كثيراً، وأدمنته أكثر، ليقول لي بهمسه الأنيق: وينك؟ شو عامل اليوم؟
وتنتهي المكالمة بهواجس أخرى وأخرى، منتظراً صوتك بعد الظهر، حيث يسألني بكل طيبة وعنفوان: بعدك في كفر ياسيف؟ روّح من هون. (أي أن أسافر إلى الرامة قبل عودتي إلى معليا).
هذا هو صوت أخي الأكبر الذي لم تلده أمي، إنه بكل بساطةِ الندى... إنه سميح القاسم.
منذ سنة 1970 نحن نلتقي على الأقل يوماً في الأسبوع، عادة هو يوم الإثنين، ثم أصبح قابلاً للتغيير بعد مرضك، عندما يفرض ذلك تغيير موعد علاجك يوم الخميس.
منذ ثلاث سنوات ونصف بعد أن ألمَّ بك المرض الخبيث، الذي من خلال إيمانك المطلق بالحياة، حاولتَ جاهداً قهره؛ تعزز هذا اللقاء، وأصبح يوم الإثنين أيقونة مقدسة في عنقي، لا انزياح منها ولا تحييد.
إن أنسى لا أنسى حينما قلتَ لي في أحد الأيام البعيدة القريبة: أشعر بوعكة صحية، وأرجو أن تكون عابرة، لكن على ما يبدو يجب إجراء بعض الفحوصات الطبية.
وأكملتَ حديثكَ والبسمة تعلو شفتيك ممازحاً: ولكني أخشى أن تكون نتيجة الفحوصات "أورام سرطانية"!.
غضبتُ منك حينها، ولكنكَ أردفتَ قائلاً: "وهل المزاح ممنوع"؟
تابعتَ إغاظتي بمزاحك بعد ذلك عدة مرات مع ضحكتك الجميلة وتلقائيتك المعهودة، إلى أن طلبتَ مني ذات يوم أن آتيك لأمر هام جداً.
وبدون مقدمات، قطعتَ حيرتي وأنا أنظر في عينيك وقلت: نعم يا أخي، لقد وصلتْ نتائج الفحوصات، وتأكد أنّ ورماً سرطانياً يعيش في أمعائي.
تملكتني حالة من الفزع والصدمة وعدم الاستيعاب، مما جعل الأخت العزيزة أم محمد تقول لك: وهل كان من الضروري أن تخبر عصام؟
فأجبتها: وهل من المعقول أن لا أخبر عصام؟
أخي سميح:
أعرفُ حقّ المعرفة ما استطاع أن ينجزه طبيبك الخاص بروفيسور جمال زيدان في معركتك الطاحنة مع ذالك المرض اللئيم الخبيث، وأعرف وبمنتهى الدقة، الوقفة الشجاعة والعظيمة التي وقفتها إلى جانبك صاحبة الأصالة السيدة نوال أم محمد، حيث كانت تحرس بدقة متناهية على برنامجك الصحي، والاهتمام بمواعيد كل أنواع الأدوية التي كان عليك ابتلاعها، وإلحاحها الدائم عليك بتناول ولو القليل من وجبات طعامك.
ولم يشغلها سوى أنت، وسوى أن تكون إلى جانبك.
وأعرف وقفة أبنائك الأبرار.. وطن ووضاح وعمر وياسر بقربك.
هؤلاء الشباب الرجال الذين كانوا على استعداد دائم لتقديم كل ما هو غالٍ في هذه الحياة من أجل أن يقدموا لك لحظة فرح وهناء واطمئنان. (وهل تقع التفاحة بعيداً عن الشجرة؟).
أعرف الكثير الكثير، وأعرف كيف تحولت الثلاثة أشهر ونصف التي أعلن عنها الأطباء بأنها فترة حياتك المتبقية إلى ثلاث سنوات ونصف، لكني ما لم أستطع أن أعرفه أبداً هو: من أين أتيتَ بكل هذه القوة وهذه العزيمة وهذا الشموخ المرتفع فوق غيوم السماء، لتقف إلى جانبنا وتسندنا في محنتك يا صاحبي؟.
حتى في تلك اللحظات التي كنت تدخل فيها دائرة الضعف الإنساني وتسألني: هل تريد أن ترسل إلى أخيك محمود شيئاً؟ وكنتُ أدركُ بأنَّكَ تشعرَ بشوقٍ جارفٍ إليه، كنتَ تفعلُ ذلك بفرحٍ وحزنٍ عارمين.
وكنت دائماً أهرب منك إلى نفسي لأتيحَ لعينيَّ نعمة الدمع ولعينيك عدم الإحراج من سقوط عبرة..!
من أين أتيتَ بتلك الطاقة المدهشة والثقة العالية بالنفس، عندما كنا نتناقش حول تعيين موعد زفاف ابنك ياسر ليكون بعد ثلاثة أو أربعة شهور.
لكنك بقيت مداوما على موقفك وإصرارك، بأن الفرح لن يكون إلا السنة القادمة.
وبعد سنة قادمة.. تزوج ياسر، وبعد سنة أخرى وُلد سميح الصغير، وبقيتَ معه، أطعمته، داعبته، دللته، غنيت له، وقلتَ له الشّعرَ... وبقيتَ معنا.
لكن عدوك الخبيث بقي لك بالمرصاد.. "أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك".
صديقي وأخي الأكبر سميح:
اخترتُ أن لا أغوصَ في بحر شعرك اليوم لأنك أنت البحر الأهم.
هنالك أمور كثيرة لم تحبها في حياتك ولم تحب صانعيها. كالضيم، والاستعباد ، والتهميش ، والاستكبار، والتعالي، وعدم الاعتراف بالآخر، وهضم الحقوق، والعنصرية والتمييز العنصري والاحتلال واستعباد الشعوب وقتل أبناء شعبك وأطفاله...
وأحببتَ كل ما هو عكس ذلك.
فكان شعارُك وشعرك التمرد على الظلم والطغيان والاستبداد والاضطهاد والتزمت والعنصرية.
وكنتَ الصمودَ والشموخ والمقاومة والعروبة والشجاعة والكرامة وكل ما هو رفيعٌ وأنيقٌ وجميل.
كنتَ الحقيقة المبدعة وكنت الإبداع الحقيقي.
كنتَ الإنسان الذي كوّنَ هذا الشعر فكانَ شعرُك أنتَ وكنتَ أنتَ شعركَ المتفاعل بعمقٍ شديدٍ ومتلاحقٍ مع كلِّ ما يجري من حولهِ..
فرحتَ بصدقٍ وبكيتَ بصدقٍ وكنتَ تملأ الدنيا بصدقٍ!
أخي سميح، اعلم أني لن أنساك.. لكني لا اعلم كيف لي أن أتدبر بدونك الأمرين؟ أمري مع نفسي، وأمري مع يوم الاثنين؟
