في مواجهة نتنياهو

single
نجح نتنياهو في فتح ثغرة في جدار الموقف الأميركي لصالحه، دفعت الرئيس باراك أوباما للترحيب بموقفه الجديد الذي أعلنه في خطاب جامعة بار إيلان يوم 14 حزيران، بعبارة كانت محظورة في قاموسه السياسي بقوله:

"نقبل دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب دولة إسرائيل اليهودية" وبهذه العبارة حوّل نتنياهو موقفه الدفاعي في مواجهة استحقاقات التسوية مع الشعب الفلسطيني إلى موقف هجومي، وبقوله هذا بدا وكأنه "طرح تحدياً غير مسبوق" أمام القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي.

صحيح أن نتنياهو كما قال أحد الوزراء "سيكثر من الحراك السياسي ولكنه لن يقدم أي تنازل سياسي" وصحيح أن خطوته تستهدف كما قال آري شبيط في هآرتس "قبل فكرة تقسيم أرض إسرائيل بصورة مضبوطة حتى لا يفرض عليه تقسيم قسري لها" وصحيح أنه اقترح "تسوية سياسية مؤلمة من وجهة المصالح الإسرائيلية، ولكنها تهدف إلى منع الانسحاب السريع والخطير إلى حدود الرابع من حزيران 1967".

وصحيح أيضاً أن الإدارة الأميركية لا تزال متمسكة بوقف الاستيطان بكافة أشكاله ومسمياته وتلاوينه، لأنه غير شرعي ويقام على أرض الفلسطينيين المحتلة، وهذا ما عبرت عنه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أمام نظيرها الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، إضافة إلى الموقف الأوروبي الذي عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون في أول اتصال هاتفي يتلقاه نتنياهو من مسؤول أجنبي بعد خطاب بار إيلان، حيث أوضح براون أن بلاده لن تقبل أي بناء، طالباً منه وقفاً كاملاً للبناء توافقاً مع خارطة الطريق والتي ترعاها واشنطن واللجنة الرباعية ونص عليها قرار مجلس الأمن 1515، ومع ذلك هذا غير كافٍ حتى ترتاح القيادة الفلسطينية من شرور نتنياهو، أو تنتظر صدامه مع الإدارة الأميركية عاجلاً أم آجلاً، وتطمئن إلى الجو الدولي المتعاطف معها، وبالتالي تكتفي برفض مبادرته أو انتقادها.

فقد طرح نتنياهو مبادرة تشكل تحدياً للشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية، عليهم أن يستوعبوها لا أن يكتفوا برفضها وبشتمه كما فعل ياسر عبد ربه، فهو تقدم بخطوة إلى الأمام ولكنه أرفقها بشروط تعجيزية مجحفة بحقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يتطلب صياغة رسالة وموقف ومبادرة فلسطينية مماثلة تعيد الصراع الفلسطيني إلى أساساته وأصوله، وتعري المشروع التوسعي الإسرائيلي وإظهار الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني.

مطلوب من القيادة الفلسطينية إبراز حقيقة الصراع اعتماداً على قرارات الأمم المتحدة، أي بالعودة إلى أصل المشكلة وسياسات إسرائيل التوسعية التدريجية، فالأصل هو العودة إلى حدود قرار تقسيم فلسطين المحددة بالقرار الدولي 181، وليس إلى الحدود التي يصلها جيش الاحتلال الإسرائيلي المتفوق، والأصل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطق 1948، واستعادة ممتلكاتهم المصادرة المنهوبة من قبل الدولة العبرية في اللد والرملة ويافا وحيفا وبئر السبع وفق قرار الأمم المتحدة 194، والأصل في المشكلة أن إسرائيل احتلت أراضي ووسعت مساحتها أكثر وأكبر مما حددته الأمم المتحدة لها وبالتالي فإن المشكلة ليست في التوسع الإسرائيلي العام 1967 واحتلالها لما تبقى من فلسطين، حيث المطلوب أن تتراجع إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وفق قرار مجلس الأمن 242 الذي لا يجيز احتلال وضم أراضي الغير بالقوة.

رئيس وزراء إسرائيل قدم مرافعة سياسية تعتمد على الرواية الإسرائيلية، وهي مرافعة ينبغي مواجهتها بمرافعة فلسطينية مقابلة، تقوم على الوقائع التاريخية ومبدأ التدرجية، وتحتكم لقرارات الأمم المتحدة التي ساهمت بصياغتها الإدارات الأميركية المتعاقبة.

أما على أرض الواقع فالمطلوب، كما أعلن صائب عريقات ببنوده الثلاثة، رد عملي ومباشر على سياسات وإجراءات إسرائيل على الأرض المتمثلة بتهويد القدس واستكمال جدار العزل وتوسيع الاستيطان، إضافة إلى سياسة العقوبات الجماعية من حصار وتجويع وقتل للفلسطينيين سواء في الضفة أو القدس أو القطاع.

مطلوب ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وتصليبه، وهذا لا يتم إلا بسلسلة متماسكة وتدريجية من الخطوات التراكمية، تبدأ أولاً بوحدة حركة فتح وتماسكها الداخلي وجلب الجميع إلى حضن المؤتمر العام وضرورة انعقاده لإجراء انتخابات قيادة جديدة من بين صفوفه، وثانياً تحالف حركة فتح مع قوى اليسار الفلسطيني وفي طليعتها الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وحركة فدا والمبادرة الوطنية، وكذلك مع فصائل التيار القومي، وإشراكهم من ثم في مؤسسات صنع القرار مع الشخصيات والفعاليات الفلسطينية المستقلة، تمهيداً لعقد المجلس الوطني الفلسطيني وإجراء انتخابات لجنة تنفيذية جديدة، والعمل على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، هذا هو الطريق الذي يهزم سلطة الانقلاب وتفرده بالسلطة ويضع حداً لتحكمه بقطاع غزة، ويبني جبهة وطنية فلسطينية عريضة تواجه الاحتلال وسياساته.

الوضع الفلسطيني ممزق وهو لا يستطيع بأوضاعه الحالية مواجهة الانقلاب أو التصدي للاحتلال، ولذلك ينبغي تصليب الجبهة الداخلية الفلسطينية أولاً وعاشراً من أجل أن يضع الشعب الفلسطيني قضيته على سكة السلامة الموصولة لاستعادة حقوقه المنهوبة، فالتعاطف الدولي سلاح قوي فعال بيد الشعب الفلسطيني والمنظمة والسلطة، ولكنه يصطدم بمعيقات التمزق والتشتت الداخلي، وهذا الوضع سلاح يراهن عليه العدو الإسرائيلي ويستفيد منه في مواصلة سياساته وإجراءاته الاستعمارية.


h.faraneh@yahoo.com
قد يهمّكم أيضا..
featured

ثورة 23 يوليو مؤشرًا تاريخيًا لرغبة الشعوب في التحرر

featured

وداعًا يا أستاذ سالم، ذكراك نور على نور

featured

العائد إلى البروة

featured

هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم

featured

نداء شخصي...الى جميع ابناء الطائفة الارثوذكسية في اسرائيل وقياداتها المحلية والقطرية

featured

فزعنا ففشلنا!

featured

الحياة الحلوة كنز

featured

لو أن في هذي الجموع رجالا لما كنا ساقطات..!