وداعًا يا أستاذ سالم، ذكراك نور على نور

single

وداعًا يا أبا السعيد، وداعًا يا قلمًا متدفقًا نورًا على نور من الثقافة، والفكر المتنور البعيد عن التزمّت والتعصّب، يا مجتهدًا في التحليل والبرغماتية، فتحت عيني على ما ابدعته أقلامكم انتم كوكبة الأدباء والشعراء في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
كنتم الثالوث الأقدس، تزدان الصحف والمجلات الوطنية بابداعاتكم،  كالاتحاد والغد والجديد، التي كانت في مجملها الرئة التي نتنفّس بها نحن الرعيل الثالث، بعد الثمانية والأربعين، لقد كنت أحَدَ الشهب التي تنير الظلام الدامس، ويبعث الدفء في القلب، والأمل بالمستقبل، والتهيج في الوجدان، سَلِمت يمينك أيها الرفيق والصديق والإنسان.
امتزت بالصبر وطول الأناة، والاتزان الذي هو ثمرة ثقافة راسخة، وفكر راقٍ يحاور وينظّر بدون تهريج وتملّق. وقد حملت الرسالة حتى الرمق الأخير. أذكرك وأنت رائح وغاد إلى مقرات الاتحاد والغد والجديد منشورات الحزب الشيوعي، تحمل حقيبة صغيرة سوداء، وسحنتك السمراء تقطر عرقًا، مسرعًا، ثابت الخطى لتصل إلى الهدف المنشود. كنت سالمًا ومسالمًا، مؤمنًا وأمينًا على الطريق، صادقًا وصدوقًا، لا تعرف الثنائية، في زمن عصفت في المنطقة أحداث كثيرة منها السّار ومنها المؤلم، منها حركات التحرر العربية والعالمية، ونهاية الحرب الباردة بين القطبين الشرق والغرب، ونكسة السبعة والستين والاحتلال وحرب لبنان وصبرا وشاتيلا وتل الزعتر، والاغتيالات في الثمانينيات لأعلام وأدباء شعبنا الفلسطيني في الجنوب وحصار باريس الشرق، بيروت، ويد الغدر والفساد تعمل معاولها في قتل كل بارقة أمل، وبارقة تحضر وحب، هتفت بها عشتار التي توشّحت بالسواد على سفن طارق بن زياد.
لم تتقوقع أيها الصديق في جلابيب التاريخ المقيت، بل قُمت كأليعازر، تبشر بالسلام العادل على أساس دولتين للشعبين، وإنهاء دائرة العداء والدم والاحتلال، هذا المنطق العقلاني الذي ينسجم مع سياسة حل التقاطب وإنهاء الحرب الباردة، ونهج سياسة التحالفات الاقتصادية والسلمية، وتعميم المعلومات الصحية والثقافية لتكون جسور سلام بين الأمم والشعوب. هذه الرؤيا الإنسانية والأممية الراقية المتحضرة تفوق كل مدفع وقنبلة تنشر الدمار والموت والثكل واليتم والترمل، ويهجر الحبيب مخدعه والزوج بيته، إنّك الأديب والصحفي المعنّى، الذي حفر على قلمه حروف الحياة من ذهب، وأنّ الإنسان، سيّد هذه الأرض، ويستحق الحياة، فالحياة نعمة، وخسئ تجار السلاح، الذين يرون في ذلك الكروان فأرًا للتجارب على قوة وغدر أسلحتهم، وطُعمًا سائغًا، بحجة الدين والأقلية المستضعفة ونشر الحرية والديمقراطية، شعارات برّاقة، تثير الفتن، وتغلّب أهل الوطن الواحد على بعضهم البعض.
الأخ سالم، ترأس العديد من المناصب في داخل الحزب، كما ترأس لفترة تحرير صحيفة الاتحاد والغد، وملأت مقالاته افتتاحيات الجديد ومجلات أدبية أخرى اعجز عن ذكرها. كتب أبو السعيد في بداياته الشعر الوطني ثم سرعان ما تحوّل إلى الصحافة، فكتب المقالة السياسية والأدبية والاجتماعية. وانتقد الكثيرين الذين ركبوا صهوة الوطنية وهي منهم براء.
عاش سالم جبران حياة متواضعة، عانى شظف العيش والتنقل من قريته الوادعة البقيعة في أعالي الجليل إلى الناصرة وحيفا.
كان "أبو السعيد" اسمًا على مسمى، الابتسامة لا تفارق شفتيه، يغلب  على لباسه القميص الأبيض، يكن الاحترام للصغير والكبير، واتخذ في الكتابة أسلوب المعلم والمربّي، الذي يهمه تعبئة الجماهير وتوعيتها لواقعها، وليس الأحلام الوهمية، والقدرية، فالحياة من صنع الإنسان والشعوب، وللفرد القدرة على النهوض وتجديد العزيمة، وليبقَ الماضي ماضيًا والمستقبل حاضرًا.
إن البكاء على الدم المسفوح لا يعيد راحلا، وعلى الدِّمن لا يحيي ليمونة قد جفّت أغصانها بعدما توقّف الغيث عن إروائها.
وهنا لا بُدّ من كلمة إلى الموت لأقول له: أيها الموت! ما اقساك! ألم تشبع! لقد أخذت الأم والأب والأخ والصديق مني! ارحل عن أحبتي وأهلي وأصدقائي وشعبي، عن عائلتي الصغيرة وعائلتي الكبيرة، ممن أحبهم واحترمهم وأعزهم، ارحل أيها الموت، دعنا نكمل المشوار كفانا شرذمة. وكفانا فُرقة وهجرانا.
لقد اختنقت واختنق غيري، لقد ارتوت الأرض، وتعب المشيعون، وزهق المعزون، وسئم المثقلون بالأحزان، ونحن على أبواب الميلاد المجيد، ميلاد الحياة والتجدد، وعلى أعتاب سنة جديدة، عسى ولعل أن تكون سنة خير، وسنة طمأنينة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، فالمحبة تأخذ وتعطي من ذاتها لك ولنا الرحمة، لنا أولا لأننا نعيش في عالم الغاب ولك ثانيًا، حيث تخلد في الذاكرة الشعبية، وفي الصخور الشمّاء، صخور الجرمق، أمّا نحن اليوم نعيش كالحروف على سطح الماء، وكالسفن الورقية التي تحملها الريح، وعلى شاشات الفيس بوك للحظات وهنيهات، تقل عن اليوم الواحد، وأصبح الإنسان الأرخص بين متاع الدنيا، يقتل في وضح النهار، ويداهم بيته في أوائل الفجر، العنف في كل بقعة، لا يفرق بين طفل وعجوز، بين امرأة وشاب في ريعان عمره، تقتل هذه الجموع عن عمدٍ وسابق إصرار، والبعض يذهب ضحية هامشية لا في "العير ولا في النفير" ولا من دائن ولا مدين.
رحماك يا الله – ("غاد بْليِس مي").

 


(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نثمّن دعمكم لنهج المقاومة الشعبية

featured

جونسون وماتيلدا ونتنياهو

featured

زعرنة استيطانية بغطاء حكومي

featured

أطلق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي النار على ابن زينب الصالحي واعتذروا: "سبع رصاصات بالخطأ؟"

featured

درس في الديمقراطية العربية

featured

جرائم الشرف قلة شرف<br>صرخة الغضب تنطلق من مظاهرة الناصرة الحاشدة

featured

ديماغوغية الإعلام الإسرائيلي الرسمي

featured

عصافير غزة وملائكة الثوار في سوريا