أطلق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي النار على ابن زينب الصالحي واعتذروا: "سبع رصاصات بالخطأ؟"

single

(ترجمة: أمين خير الدين)


  أُطلق جنود جيش الاحتلال ألإسرائيلي النار على ابن زينب الصالحي، عندما اقتحموا بيتها، حين حاول الهرب. ومنذ ذلك الوقت هو مُعْتَقل ويرقد في المستشفى في حالة خطيرة. وقد مُنِعَت أمه التي اعتنت بأبنائها وحدها، من زيارته وحتى أنهم لا يعطونها أيّة معلومات عنه.
جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي الذين اقتحموا مخيم الدهيشة القريب من بيت لحم  قبل طلوع الفجر ليلة التاسع من آب، على ما يبدو بدافع اعتقال رائد الصالحي ابن الـ 22 سنة، من المشكوك فيه أنهم عرفوا البيت الذي أُرْسِلوا إليه. ولأيّة تراجيديا طُوِّح بهم وأيّة مصيبة إضافيّة اقترفوها عندما أطلقوا سبع رصاصات على شاب استيقظ للتو من النوم وحاول الهرب، خوفا منهم، وهو غير مسلّح. بعد ذلك شحشطوه لمدة نصف ساعة في أزقّة المخيّم، وهو ينزف من فمه ومن جسمه، خطفوه بالركل من بين يدي أخيه الذي حاول ان يهرِّبَه وهو يحمله على يديه، في حالة خطيرة، ثم نقلوه إلى مستشفى هداسا عين كارم. ومنذ ذلك الوقت هو مُعتَقَل يرقد في قسم العناية المكثّفة، موصولا بالأنابيب الطبيّة فاقدا للوعي.
على ما يبدو أراده الجنود حيّا أو ميّتا، لذلك اختطفوه من بين يدي أخيه. ومنذ ذلك الوقت لم يهتمّ أحد بإعطاء العائلة أيّة معلومات عن حالة ابنهم، ولا يسمح جيش الاحتلال الإسرائيلي لأمّه بزيارته في المستشفى، ولو للحظة. وفي الأسبوع الماضي، عندما جاءت الأم، زينب الصالحي برفقة زوجها ووالد اثنين من أبنائها، منعها الجنود- السجّانون من دخول غرفة ابنها، وهدّدتْها الممرضات باستدعاء الشرطة.
كلّ ما تطلبه الآن هو أن ترى ابنها، أو على الأقل أن تطمئن على صحته. كل ما تعرفه قليل من المعلومات غير متكامل، كما يصلها من "نادي الأسير الفلسطيني". وأن سبع رصاصات أصابت ابنها وأتلفت أعضاءه الباطنيّة.


** لا تنفعلي


   البيت مُجمّع مصائب، الفقر والضائقة تظهران عليه. هذا هو أحد البيوت الفقيرة في الدهيشة، ربّما يكون الأفقر مع ساحة مدخلها مليء بالخردة والنفايات، بدون اتصال مع مخيّمات الضفّة الغربيّة. في قلب المخيم، في آخره زقاق ضيّق لشبكة المياه مع حيطان نَتِنَة. سبعة من القِطَط الصغيرة وأكثر تتجوّل في البيت كمَنْ تزيد حزنا على حزن على الحالة الصعبة  الموجودة أصلا. هنا تسكن زينب مع ثلاثة من أبنائها من زواجها الأوّل ومع ابنها وابنتها، للذين وُلِدا لها ولـ د. يهودي إسرائيلي عمره 58 سنة من القدس يعيش معها منذ عشر سنوات في مخيّم الدهيشة، هذان الابنان لا مكانة لهما ولا وثائق ولا حقوق، ولا يتعلّمان في أيّة مدرسة.
توفي زوجها الأول قبل عشر سنوات. عمرُها 52 سنة، ومنذ طفولتها اعتادت على العمل في تنظيف البيوت في أحياء القدس كي تعيل عائلتها، عملت في تلبيوت، روميما وكريات يوفيل، وهناك تعلّمت اللغة العبرية لتتودّد لأصحاب عملها من اليهود. كانوا يتركون لها المفاتيح والنقود، وأحيانا الملابس لأبنائها وكانت تقوم بتنظيف بيوتهم. ومنذ أطلقوا النار على ابنها غيرت علاقتها.
انقلبت حياتها منذ التاسع من آب. مرضت قبل سنوات وخضعت لعمليتين جراحيتين في القلب في إسرائيل، ومن حينه اضطرت لترك العمل، قبل شهور مرض زوجها بمرض السرطان، وتوقّف هو أيضا عن عمله في الترميمات ويخضع لعلاج  صعب في مستشفى "شعاري تصيدك"، واقتحم الجنود كلّ هذا ليلة التاسع من آب الحالي.
في تلك الليلة، ككل لياليها لم تنم قبل أن ينام آخر أبنائها. هكذا هي، أمُّ مهتمّة.  جلست على مقعد في الصالون، ناعسة تنتظر رائد الذي تأخّر في العودة. عاد رائد بعد الثالثة فجرا متعبا ومرهقا. اقترحت عليه أن تُعِدّ له شيئا يأكله أو مشروبا ساخنا لكنه رفض. خرج للشرفة الصغيرة الملاصقة للصالون واضطجع لينام بملابسه على الكنبة العتيقة المركونة هناك. "حسنا يا روحي، نَمْ"، تُعيد ما قالته له قبل أن ينام. نام بغرفته في ذلك الوقت أخوه بسّام، وهو يعمل في رام الله وقد جاء للزيارة ولذلك كان سرير رائد مشغولا. جهزت قهوة وجلست مع ابنها الآخر، محمد، وتناديه حمّودي ، وكان في تلك الساعة مستيقظا.
تلقّى محمد في حوالي الرابعة فجرا إشعارا روتينيّا لمحموله: جيش الاحتلال الإسرائيلي في المخيّم. يوجد في الدهيشة مجموعة اتصال تنبّه من الغزو الليلي. محمد أيقظ  بسّام وأسرع إلى الشرفة لإيقاظ رائد. وثب رائد من مكانه حافيا وقفز من فوق السور الأزرق الذي يحيط بالشرفة. بيت الجيران قريب جدا من بيتهم فقط زقاق يتسع لشخص واحد يفصل بين بيتي هؤلاء اللاجئين .
 جلست زينب في الصالون المطلّ على الساحة، كانت خائفة. كانت ليلة مُظلِمة.  د. الإسرائيلي، ظلّ نائما في غرفته. عندما دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى المخيّم ظلّ مختبئا في غرفته. بدأ  د. يسمع رشّات الرصاص  بالقرب من البيت وصراخ زينب. ومن خلف السور الأزرق سُمِعت آخر صرخة من رائد: "متُّ، استشهدت". وقع عند السور الأزرق، من الجانب الآخر، وقع في الزقاق الضيّق وهو ينزف. وحسب أقوال أبناء عائلته، لم يكن مسلحا ولم يشكِّل خطرا على الجنود، إنّما فقط أراد أن ينجو بنفسه.
    لم تجرؤ زينب على الخروج. أحاط بالبيت عشرات الجنود، ليس من الصعب تخيّل الرعب، انطلق بسّام من باب البيت إلى الشارع واستطاع التسلّل في الأزقة المحيطة حيث يرقد اخوه الجريح، وصل إليه عن طريق هيكل غرفة في البناية المجاورة والتي لم يكتمل بناؤها.  رفع رائد بيديه وانطلق يركض إلى الشارع الرئيسي، وما كاد يقطع مسافة مائة متر تقريبا حتى أدركه الجنود. كان معهم كلاب وعلى ما يبدو أنهم شمّوا رائحة الدم. أُلْقيت على الجنود حجارة من كل صَوْب. محمد، أخو رائد، بدأ يلقي عليهم الصحون والأدوات المنزليّة، تقول أمّه إنه فقد صَوابه بعد أن عرف أن أخاه قد وقع في الساحة ينزف.
تقول الأمّ، قبل الحادث بيومين، اتصل  عميل المخابرات "نضال" برائد، وهدده إنهم سيطلقون النار علية أمام أمّه، لا ندري لماذا، هذا ما قاله رائد لأمه. لكنه سرعان ما أخذ يطمئنها، خوفا على صحّتها: "لا تنفعلي إذا جاؤوا لاعتقالي. إبقي هادئة ولا تقلقي".
صرّح الناطق بلسان جيش الاحتلال ألإسرائيلي هذا الأسبوع لجريدة "هآرتس"، " لقد اعْتُقِل رائد الصالحي بتهمة اشتراكه بنشاطات "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين"، وأعمال إرهابيّة وإخلال بالنظام وأنه عند وصول قوّة جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى بيته، بدأت مطاردة وخلالها قامت القوّة بتنفيذ إجراءات توقيف متّهَم  تخلّل هذه الإجراءات إطلاق نار جُرِح من جرّائها. وقد قامت القوّة بتقديم الإسعافات الطبّيّة لإنقاذ الحياة وبعدها نُقِل لمتابعة العلاج في مستشفى هداسا عين كارم". وبناء على ما يقوله الناطق العسكري، في اليوم التالي، أي في الـ 10 من آب أُعْطيت لمكتب المنسّق الفلسطيني في منطقة  "بيت لحم" معلومات عن الحالة الصحيّة لرائد الصالحي  وعن نقله للمستشفى.  وعلى ما نعرفه أن أمّه قد زارته في المستشفى مباشرة إثر إصابته. وقد احتفظت الأمّ بتصريح دخول لإسرائيل والذي ألْغي لأسباب أمنيّة. وفي 22 آب أُعْطيَت تصريحا جديدا لزيارة  ابنها يسري مفعوله لمدة أسبوع فقط.
  "اعتُقِل محمد  الصالحي بتاريخ 16 آب 2017 إثر معلومات مخابراتيّة  تُفيد أنه يعمل على تخطيط أعمال إرهابية ضدّ أهداف إسرائيليّة.  وبعد مرور أيّام صدر ضده أمر اعتقال إداريّ لمدّة أربعة أشهر، لعدم وجود بدائل أخرى لمنع الخطر المُتَوَقّع من نشاطه هذا. ويخضع الأمر لمراقبة قضائيّة دقيقة من المحكمة العسكريّة ومن المحكمة العُليا".  

 
    
** سبع رصاصات


الأمّ، زينب الصالحي، لم تعرف هذا الأسبوع عن التصريح الجديد المُعْطى لها، ومن غير المؤكّد أنها ستتمكّن من الاستفادة منه خلال هذا الوقت القصير من سريان مفعوله. عاد بسّام إلى البيت بعد نَقْل أخيه الجريح إلى المستشفى، كان غاضبا جدّا.  د. ألإسرائيلي رأى قميص بسّام مُلطّخا بدم أخيه.  عاد الجنود بعد أسبوع، وفي الرابعة صباحا، وبقوّات كبيرة. جاؤوا هذه المرة لاعتقال محمد – حمّودي، دخلوا من باب البيت بعد  أن كسروه.
قاموا بالتفتيش ثمّ أخذوا محمد، لم يُطْلِقوا النار هذه المرّة، وفي هذه الليلة أيضا لم يغمض لزينب جفن. سمعت الضجة في الخارج قبل دخول الجنود إلى البيت فارتعدت من الخوف. تقول إنها منذ الليلتَيْن المرعبتَيْن المُتتاليتَين لم تَبْكِ أبدا. لكنهما أبقَوْها مضطربة.
   قال لها أحد الضباط الذين جاؤوا لاعتقال محمد، حسب أقوالها، إنّهم آسفون لإصابة رائد، وأنه كان ذلك خطأً، "سبع رصاصات  بالخطأ؟"، تسأل زينب  بمرارة. أراها الضابط صورة ابنها في المستشفى، زوجها د. الذي طلب عدم ذكر اسمه، تمكّن أن يمدّ للحظة رأسه إلى غرفة رائد في المستشفى، قبل أن يُطْرَدوا الأسبوع الماضي بإذلال، يقول إنه رأى رائد يرقد فاقدَ الوعي وموصولا بالأنابيب الطبّيّة، فتسأله زينب بلغة عبريّة، انه كان يعتقد إنه حيٌ وما هي حالته؟.



(عن هآرتس)      

قد يهمّكم أيضا..
featured

ما يجوز وما لا يجوز

featured

الترانسفير والسعادة

featured

لا لترهيب أطفال غزة

featured

وداعًا للسياسات الأحادية

featured

لماذا قذفنا القذّافي؟

featured

دعوات حمل السلاح الاجرامية

featured

زواج مبارك من مصر باطل

featured

نذير الكفرونية.!