لو أن في هذي الجموع رجالا لما كنا ساقطات..!

single

*إذا كانت الرجولة لها صفات القوة والمقدرة على التحدي والحزم، فإن الأنوثة أيضا لا تقل عن الرجولة في المواقف. وقد أثبت التاريخ أن المرأة تستطيع هز العالم بيسارها، في ذات اللحظة التي تهز فيها مهد طفلها بيمينها*

 

"من يصل إلى قمة سور الصين العظيم فهو رجل، والرجولة المقصودة هنا هي القدرة والقوة والالتزام".. هذا مثل صيني قد يصلح لكل الشعوب والرجال وان اختلفت الأماكن. فالسور قد يكون عند شعب آخر البحر أو الفضاء أو الجبال أو النزول إلى الوديان، أو قد يكون مقاومة الظلم ونشر العدالة وطرد المحتل، مهما اختلفت صور الرجولة لكن المثل واحد.
نعترف بقسوة حد السكين أننا نعيش داخل سياسة الباب الدوار. دائما نجد أنفسنا داخل باب زجاجي يلف ويدور، وعلينا أن ننتظر اللحظة كي نخرج من الفتحة المخصصة. ويا ليتنا ننجح بالخروج، بل يوما بعد يوم تزداد سرعة دوران الباب، ومع الدوران يصيبنا دوار الكآبة والاحتراق والشعور ان القضية الفلسطينية، بعد ان كانت غيمة كبيرة من دم وتشرد، أصبحت بقعة دم صغيرة على قميص العالم من الصعب رؤيتها..!
إذا كانت الرجولة لها صفات القوة والمقدرة على التحدي والحزم، فإن الأنوثة أيضا لا تقل عن الرجولة في المواقف. وقد أثبت التاريخ أن المرأة تستطيع هز العالم بيسارها، في ذات اللحظة التي تهز فيها مهد طفلها بيمينها. لكن الرجل يريد دائما أن يفصّل حسب مقاس مزاجه الثوب الرافض المقاوم للمرأة. أي أن يرى في مقاومتها لمساته وبصماته، لكن حين تخلع ثوبه ينتقض غضبا ويتحول إلى شخص هلامي لا تستطيع الإمساك به وبمواقفه.
في مدينة رام الله حدث شيء مختلف بين الرجال والنساء، حدث يضيء الأضواء الحمراء ليس لنشر الأجواء الرومانسية بل للتنبيه وتوضيح الصورة التي تغرق في مستنقع التخاذل. قرأت العناوين المثيرة عن متظاهرات فلسطينيات يشتمن رجال أمن فلسطينيين بأقذع الشتائم. وانهمرت التعليقات على تصرف النساء المتظاهرات، حتى وصل بالبعض إلى طلب تقديم المتظاهرات إلى المحاكمة وان على عائلاتهن إعلان البراءة منهن. أي ان التعليقات على الشتم كانت تنضح بالتحريض ضد النسوة المشاركات في المظاهرة، وهناك اشرطة فيديو توثق الحدث الفظيع الخارج عن التقاليد والعادات، التي تحتم على المرأة أن تبقى الجنس الناعم الحريري الخجول، وليس المرأة التي تضرب رجل الأمن.
بدأت الحكاية حين خرجت مظاهرة للنساء في مدينة رام الله تندد بمقتل شاب في مخيم عسكر على يد قوات الأمن الوقائي الفلسطيني، وتندد ايضا بمقتل ثلاثة شبان فلسطينيين في مخيم قلنديا على يد قوات الاحتلال. ومن يشاهد اشرطة الفيديو، التي عرضت على جميع المواقع الالكترونية، يجد نساء غاضبات سئمن الوضع الفلسطيني المتذبذب المرتعش. وقد أعلنّ رفضهنّ للصمت المذبوح على مذبح المفاوضات العبثية.. نساء قويات، امتلكن الجرأة والوضوح ومقاومة الشرطة الفلسطينية التي حاصرت النساء ورفضن ان تسير المظاهرة في الشوارع. لقد رأينا نساء ثائرات قويات يعرفن ان الرجال أوصلوا قضيتهم العادلة إلى أسواق الفشل والتردد والخداع والانبطاح، يعرفن انه قد بلغ السيل الزبى، ولم يعد هناك شيء يخسرنه.. بيوتهن في الحصار وأرضهن في المصادرة والسجون تئن بالأبناء والأزواج والبطالة، والفقر والشتات في شتات واللجوء يهرب إلى لجوء.
نعم شتمن بأقذع الشتائم وصرخن بأعلى الأصوات متهمين الجميع بالتخاذل. لكن عواصف الانتقاد كانت متعددة، منها ضد الاختلاط بين الرجال والنساء، والأدهى ان النساء كنّ في المقدمة وهنّ تصدينّ لرجال الأمن الفلسطينيين، الذين حاولوا قمعهنّ بعد أن واصلن إصرارهن على المرور وعدم الانصياع لكلام قائد الشرطة. وهناك من تجرأ على المطالبة "برفع قضية مستعجلة ضد تصرفات المتظاهرات"، واخذوا يرددون: "نساء فلسطين ليست هكذا". ونضحك نحن: ماذا يريد هؤلاء الرجال من المرأة الفلسطينية؟! وكيف يجب أن تكون النساء الفلسطينيات؟!
الجمعيات النسوية في الضفة والقطاع وقفت ضد الحملة الجنونية بحق النسوة، اللواتي اثبتن أنهنّ يملكن الجرأة على إبداء الرأي، وأن الموقف الرجولي الذكري جنّ عندما تم شتم الرئيس والسلطة، فقد طالبن أيضا بإسقاط اتفاقية أوسلو التي دمرت القضية الفلسطينية. ولو وقفت المتظاهرات الفلسطينيات امام جنود الاحتلال وشتمن لكنّ بطلات مقاومات، وزينت السلطة الفلسطينية وباقي الفصائل صورهن. لكن عندما كانت المواجهة بين النساء والسلطة الحاكمة انقلبت الموازين، وانكشف الغطاء المزيف عن وجه الحقيقة.
ان المجتمع العربي والفلسطيني يعاني من الازدواجية في تفكيره وفي معتقداته، والمرأة الفلسطينية أثبتت على مر السنوات انها مشاركة ويقع عليها العبء الأكبر. فهي زوجة الشهيد، وأم السجين، وأم الأولاد الذين عليها ان تربيهم أثناء غياب الأب. وهي الحالة النادرة في الحرص على تماسك الأسرة في ظل الفقر والحرمان وأزمات الحروب والاقتحام والخوف. وأيضا حين تزغرد على ابنها الشهيد وتقبل ان يقوموا بتهنئتها، تعطي الجميع بمن فيهم الرجال والسلطة أنها الأقوى والأقدر رغم أنهم يتجاهلونها.. أعجب من المحتجين على الشتائم ويطالبون بتصرفات لائقة. كيف تكون التصرفات اللائقة وهناك ثلاثة شباب قتلوا بدم بارد داخل مخيم قلنديا من قبل جنود الاحتلال، ولم يعترض احد ولم تقم الدنيا وتقعد، بل مر الخبر كأي انتهاك عادي للحياة الفلسطينية..؟!
أن شجب السباب والشتائم من قبل المحافظين على الأخلاق الحميدة هو أداة قمعية للتغطية على الجريمة الأكبر، وسد الأفق والقبول بالوضع ألاحتلالي المهين. فهناك من قال وأعلنها صراحة أن المتظاهرات "ساقطات" و"عاهرات"، ونحن نقول لو كان يوجد رجال على قدر المسؤولية التاريخية لما كنا "ساقطات". ورحم الله الشاعر خليل مطران الذي قال:

ما كانت الحسناء ترفع سترها       لو أن في هذي الجموع رجالا

يريد الرجال من النساء الآن ان يكنّ حسب موضة البوركيني، وهو ثوب السباحة المحتشم الجديد المكوّن من برقع وبكيني.. يريدونهن مناضلات للزينة وليس لاتخاذ القرارات.
لكن اعلموا انهن بشتمهن وصراخهن وضربهن لرجال الأمن - شاهدوا الصور والفيديو على الانترنت - تعرفوا ان المرأة الفلسطينية لن تسمح لنفاق الرجال ان يمر، وستكون المرأة القوية القادرة على حماية أيضا وطنها..! 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لو كان تمثال سلطان الأطرش نافورة مياه

featured

أمام الآلة الإسرائيلية الطامسة (*)

featured

متى تكون الافكار كأشعة الشمس؟

featured

استمرارية الكرة الأرضية خضراء بانتصار الشيوعية

featured

الانهيار أو الاستقرار – مسؤولية اسرائيل!

featured

ماذا وراء تحرّك الرباعية؟

featured

شراء حُكم الفساد بالرشوى!