العائد إلى البروة

single

من البروة أخرجوك وإلى البروة ستعود... هكذا وشوشتني مسيرة العودة يوم رحيلك.


خيَا أحمد.

 

الذين اغتالوا طفولتك والذين سرقوا طفولتي وجدوا أنفسهم عراةً أمام العالم كله، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، ومن أرضه إلى سمائه، في مطلع هذا الأسبوع.. بحثوا عن ورق التين، وفتشوا عن ورق التوت، ولهثوا وراء ورق التواليت ليستروا عوراتهم فما نفعهم تين ولا توت.
خسارة لأنك حُرمت من هذا المنظر الذي يؤكد صدق رؤيانا وكنه رؤيتنا بأن الاحتلال الإسرائيلي الهمجي، أسوأ احتلال عرفه التاريخ الإنساني يلفظ أنفاسه الأخيرة.. فلا رده الله.
وأما الذين قرأوا مقالاتك الاقتصادية طيلة ثلاثة عقود من على صفحات رفيقة دربك وعمرك، ولا أدري إن كانت هي رفيقة العمر الأولى أم الثانية، فأنا لا أجيز لنفسي أن تنحشر بين الضرائر.
هؤلاء الرفاق الأصدقاء سواء قرأوها بشوق أو باضطرار فيدركون اليوم صدق ما كتبت يا أحمد وهم يرون اليوم اليورو يصاب بالهزال نتيجة فيروس كولونيالي أو رجيم اقتصادي...
لا يهم يا خيَا السبب لان معد اللصوص والقراصنة تخمت وتلفت من كثرة ما بلعت من خبز الفقراء وخيرات الشعوب فلا رد الله لهم أخضر أو أصفر ولا شفاهم الله من علَة!

 

خيَا أحمد،

أيها البرواني الطيب، الذي حمل شهادة الدكتوراة في علم الاقتصاد من جامعة شهيرة من مدينة تعتبر واحدة من أمهات الدنيا وبقي فلاحًا، أصارحك اليوم بأنك كنت طيبًا أكثر من اللزوم، وفيًا فوق اللزوم، مخلصًا أكثر من عنوان ديوان المعرَي، لم تُزعل أحدًا، ولم تغضب أحدًا سوى أعدائك الطبقيين وأعدائك القوميين. فقد اعتدت أن تكون لطيفًا رقيقا دمثًا مع الجميع حتى مع عدويك اللدودين، صديقيك اللدودين السكري والسرطان.. ينهشان لحمك وتبتسم.. يفتتان عظمك وتعمل كأنك تعيش أبدًا.. قل لي كيف أقنعت أيوب أن يورثك البلاء والصبر؟

 

خيَا أحمد،

ماركسي عقلاً وقلبًا وقلمًا منذ شبابك حتى رحيلك. بقيت قابضًا على الفكر الماركسي كالقابض على الجمر في زمن هرب عديدون من رفاق الدرب عالميًا ومحليًا من السفينة وفتح بعضهم دكاكين يبيعون الثورة فيها وفتح آخرون أكشاكًا قوميةً وبسطات فكريةً وأسواقًا إيديولوجية ينادون فيها على اونو على دويه على تريه، ولا من يشتري!! وأنت تنظر إليهم وتبتسم!!
مناضلٌ عنيدٌ تعمّد بالنضال منذ نعومة أظافره.. يا للغة كم تخون أحيانًا!! وهل كانت لأحمد نعومة أظافر؟ هل عرفها من الخيمة أم من كوخ التنك؟ أم من الجوع والفقر والتشرّد؟؟ أجل.. من هؤلاء لم يعرف نعومة الأظافر.. ولكنه منها وفيها تعمّد بالنضال والصمود وبقي صلبًا مثل صخرة من صخور الليَات التي تحضن البروة.
قلب كبير يحب الناس. يفيض حبًا مثل بئر جليلية أو نبع بروانيَ، يحب الناس الوطنيين والناس الشرفاء والناس البسطاء والناس الفقراء.
ويحبََُ يحب أكثر من كل هؤلاء.. ولن أكشف لكم سرًا إذا قلت لكم أنني قبل أشهر وفي جلسة عائلية دافئة ذكرت وأبنائي الدكتور أحمد سعد الإنسان الطيب الصادق الوطني ألثوري الأصيل.
قال أبني الأصغر: أرتاح إليه وأشعر أنه يحبني كثيرًا.
علق أبني الأكبر: طبعًا فهو صديق الوالد بالإضافة لأنك جبهوي.
فقال الابن الأوسط: أعتقد أن سبب حبه لك لأنك لاجئ.
أبو محمد يحب اللاجئين محبة خاصة ويتعاطف معهم.
كان أحمد سعد في مقطوعاته النثرية لا يبرحُ البروة وعمقة وكويكات وميعار. أخوته في النكبة. أخوته في أيام القلة والجوع. اخوته في النضال من أجل العودة.

 

يا خيَا يا أبا محمد يا أحمد سعد،

 

من مياه البير الغربي، ومن مياه بير الصفا، ومن المغير، ومن العياضية سوف نسقي تراب قبرك.
وشتلة زعتر خضراء ميعارية ستجاور شاهدك.
وقندول تل قبر البدوية سياجٌ لرمسك.
من البروة أخرجوك..
والى البروة ستعود،
هكذا وشوشتني أطلال البروة وصبرها وخروبتها وبلان التل، وأنا عابر عصر هذا اليوم على مقربة منها قادمًا لأرثيك.
من البروة أخرجوك وهجروك..
وإلى البروة ستعود.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ملاحظات سريعة على الانتخابات

featured

" طفح الكيل وبلغ السيل الزبى "

featured

معركة ضد الفاشية !!

featured

أسطوانة نتنياهو المزعجة

featured

"ألاقي زيَّك فين يا علي"

featured

مقامرة سياسية شرق، أوسطية خاسرة.!!