المحكمة العليا في اسرائيل عبر قرارها بعدم فتح تحقيق جنائي في قضايا التعذيب في المعتقلات الاسرائيلية بحق السجانين ومحققي جهاز الأمن العام – الشاباك- عمليا قدمت تصريحا رسميا من أعلى هيئة قضائية في اسرائيل لجهاز الشاباك بالاستمرار في عمليات التعذيب الممنهجة خلال التحقيق مع الاسرى الفلسطينيين، واعفت هذا الجهاز وأفراده من المسؤولية الجنائية والقانونية تجاه الجرائم التي يرتكبونها.
المحكمة العليا الاسرائيلية تتصرف من خلال قرارها هذا والقرارات السابقة في هذا الشأن كذراع تنفيذية لاجهزة الامن والجهاز السياسي المتنفذ في البلاد وتتخلى عن دورها الاساسي في حماية وتطبيق القانون.
من المعروف ان صنوف التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون والاسرى الفلسطينيون خلال عمليات التحقيق هي من أقسى صنوف التعذيب التي تمارس في العالم ضد سجناء الحرية والرأي السياسي رغم مجمل محاولات التجميل واستعمال المصطلحات المخففة مثل "ضغط جسدي معتدل" التي يطلقها رجالات الشاباك والمؤسسة الحكومية في الدولة. وتصنَّف هذه الممارسات البشعة من شبح ورجرجة وحرمان من النوم والضغوطات النفسية والجسدية وغيرها في القانون الدولي والاتفاقيات الدولية على انها جرائم يجب على مرتكبيها الخضوع للمحاكمة والتعرض للعقاب، الامر الذي تتجاهله المؤسسة الاسرائيلية على أذرعها المختلفة وتنضم اليها في ذلك الهيئات القضائية.
لقد جرى حتى الان بحسب معطيات اللجنة ضد التعذيب التي تقدمت بالالتماسين الذين صدر بشأنهما القرار، تقديم اكثر من 598 شكوى من اسرى فلسطينيين تعرضوا للتعذيب لم يُفتح في أي منهما ملف تحقيق وأهملوا اهمالا تاما من قبل المستشار القضائي للحكومة الموكل بالتعامل مع هذه الشكاوى.
تفسير واحد ووحيد يمكن تقديمه لمثل هذا القرار القضائي وهو اعطاء الضوء الاخضر لمحققي اجهزة الامن لارتكاب المزيد من الجرائم دون وازع أو رادع أو خوف من عقاب، والتخلي عن أي وازع ضميري وقانوني يحمي الأسرى في حال تعرضهم للتحقيق.
اسلوب التعذيب الوحشي المتبع في اجهزة الامن الاسرائيلية ادى في الماضي وسيؤدي حتما على اثر هذا القرار الى اعترافات من اسرى يقعون تحت التعذيب بتهم هم ابرياء منهم للنجاة من التعذيب وآثاره عليهم. فالخلل البنيوي والمبدئي المتجذر في اجهزة القمع السلطوية الاحتلالية ليس بعيدا عن الجهاز القضائي وهذا القرار برهان جديد على ذلك.
