أشياء صغيرة

single
قبل يوم الأرض في العام 1976، استدعيتُ، ومئات مثلي، إلى محطة الشرطة، لتحذيرنا من أعمال شغب قد نقوم بها في يوم الأرض المقبل علينا. وفي حينه قال لنا الحزب ان لا نوقّع على أية ورقة في محطة الشرطة، وبالطبع نفذتُ الأمر ولم أوقع.
كنت في السابعة عشرة ونيف من عمري، في الصف الثاني عشر. أبناء صفي ذهبوا في رحلة إلى إيلات، رحلة العمر، وأنا بقيت لأن الواجب الوطني الحزبي، و"مسؤولياتي التاريخية"، تطلبت ذلك.
وهنالك رفيق آخر في قرية مجاورة، كان يصغرني بثلاث سنوات. اسمه الرفيق غسان طاطور من قرية الرينة. انتاب القلق غسان طاطور، ابن الصف الثامن، وشاركه في القلق زميله محمد عثامنة، الذي يصغره بسنة، ابن الصف السابع، بأن تتخلف مدرسته الابتدائية عن قرار الإضراب، أمام موجة الضغوطات التي تعرض لها الطلاب لكي يحضروا للمدرسة.
في ليلة الاضراب قرروا القيام بعمل ما.
ذهبوا للمدرسة، أدخلوا الخشب في القفل، لكي "يعصلج" المفتاح، وهكذا تبقى المدرسة مقفلة. ولكن هذا الإجراء الذي قام بها طفلان في بداية سن المراهقة، لم يطمئنهما، وقررا، زيادة في التوكيد، أن يجلبا قفلاً آخر.
في استعراض سريع للأقفال التي من الممكن الحصول عليها، وفي تلك الساعة المتأخرة من الليل، قال محمد عثامنة، إنه رأى قفلاً جيدًا على بوابة زريبة قريبه وجاره أبو ذيب، (وهو المرحوم عبد الرحمن عثامنة).
لم يترددا لحظة واحدة، وفي عملية عسكرية لامعة، كان القفل في جيبهما، فالقفل لم يكن مغلقًا، وحتى المفتاح فيه، ومن باب الزريبة وجد المفتاح طريقه إلى بوابة المدرسة ليزيد في تحصينها..
ألمعضلة الكأداء، أو الفضيحة المجلجلة، حدثت بعد وقت قصير من مغادرة القفل، حين خرجت الماعز، حرة طليقة إلى شوارع الرينة بصوتها الرخيم، تتجول وتشارك في الجهد الحربي استعدادًا للإضراب. "بدهن يوخذوا القفل.. يوخذوه"، قال أبو ذيب بغضب وبمرارة، "بس عالقليلة كان يحطوا سلك محلو". بقيت الزريبة بدون سلك وبدون قفل.. وجاء، بكل هدوء، محمد وغسان، ليساعدا في إرجاع الماعز ولينضما إلى جوقة الغاضبين والمنزعجين من تصرف هؤلاء الأولاد "اللي مش مربيين". (بعد سنوات، أخبرني الرفيق غسان، اعترفوا بما فعلوه لأبو ذيب. ضحك كثيرًا وسامحهم على فعلتهم الوطنية)
في اليوم التالي تم اعتقال غسان، ابن الرابعة عشرة، وهدفت الشرطة من اعتقاله، أن تستدرجه للكشف عن أسماء الرفاق الكبار الذي حرضوا على الإضراب. لكن غسان هو ابن الرفيق أبو إبراهيم، ومن لا يعرف أبو إبراهيم، محمد الطاطور، وأمثاله يكون قد خسر كثيرًا من معرفة وسبر غور فصول مفصلية في نضال جماهيرنا. الرفيق أبو إبراهيم كان قد أوصى أبناءه: "شو بسألك البوليس.. قول بعرفش". وهكذا كان.
كان الإضراب الأول صميميًا، ومثلما قال سميح القاسم، ولا أجد أفضل من هذا التعبير، عن صيانة الأرض: "بجيبي بعب القمباز أصون الكوشان"، هكذا كان قرار الإضراب. لم يكن ذلك قرار قيادة فقط. كان قرار الطفل والشاب والصبية والعجوز. كان قرار كل فرد منا.. قرار صانه الأطفال، قبل الكبار، برمش العين. ولهذا، فهذا اليوم هو غرة في جبين شعبنا. 
قد يهمّكم أيضا..
featured

ليبرمان ينضم لداعش!

featured

زيارة السادات لاسرائيل واتفاقية كامب ديفيد

featured

روميو وجولييت مجتمعنا

featured

الطبقات والصراع الطبقي (الحلقة الثالثة)

featured

"نتقاتل مَن يحرس بوابة السجن لإسرائيل"؟!

featured

حتى في مركّبات الحُب يوجد تآكل