تعطّل هاتفي النقّال أو هاتفي الجوّال أو هاتفي الخليويّ أو هاتفي الخلويّ أو موبايلي أو بالعربي الأندبوري "بليفوني" ولأننا صرنا لا نفارق هذا الجهاز العصريّ ولا يفارقنا سواء في الأعراس أو في الجنازات أو في المساجد أو في الكنائس أو في الشوارع أو في غرف النوم أو في الحمّامات أو في المراحيض، سارعت بالسفر الى مكتب الشركة في منطقة الخليج يعني "بالعربي الاسرائيلي" أو "المتأسرل" منطقة "مفراتس" لاصلاحه في الحال فما عاد الواحد منّا يطيق الحياة بدونه، فوجدت هناك قاعةً واسعةً وعشرات الزبائن أمثالي، شيوخا وعجائز، شبانا وشابات، جاءوا لاصلاح أجهزتهم أو تغييرها أو للتحقّق من فاتورة الحساب الشهريّ المتخمة الى درجة التجشّؤ، كما شاهدت اثنتي عشرة موظفة صبيةً جميلةً يستقبلن الزبائن الساذجين أمثالي بابتسامات حلوة جذّابة وبكلمات معسولة فالصبايا هنا لسنات شاطرات مسحوبات من ألسنتهن وأمام كل صبيّة صحن فيه حبّات ملبس ملوّنة من ذلك النوع الذي كنّا نشتريه من دكّان الحارة الصغير بشلن أو ببيضة أيام كنّا أطفالاً.
هاتفي النقّال معطّل واللعين لا يصدّ ولا يردّ، وذكرت للموظفة رقم الجهاز فتكتكت بأناملها الناعمة على حاسوبها وابتسمت وهي تقول لي: هذا الجهاز بدون تأمين وخربان وعندنا البديل. جهاز جديد وحديث جدًا ومتطوّر والأرقام فيه كبيرة لا تتعب نظرك، جهاز مجّانيّ ولا يكلّفك شيئا سوى أن توقّع على هذه الأوراق.
يا سيدتي لا أريده ولا أوقّع على أوراق لا أستطيع أن أقرأها ولن أقرأها وهي تذكرني بالأوراق التي وقّعت عليها في البنك عندما نصحني السيّد نزيه، الموظف اللطيف، بأخذ قرض لتغطية السحب الزائد. حروف صغيرة تصعب قراءتها ولا يقرأها زبون فالعبي غيرها.
اذاً يا سيدي يكلفك التصليح خمسمائة شيكل. طبعا ملفوفة بابتسامتها الحلوة.
ولو! يمكنني أن أشتري خمسة أجهزة بهذا المبلغ من السوق.
ما رأيك يا سيدي أن تدفع تأمينا للجهاز مقداره خمسون شيكلاً شهريا لمدة سنة؟
"تستهبلني" وتبتسم. لن أدفع. وعادت الحلوة تشرح لي عن الجهاز الجديد المتطوّر وأنا أرفض فالملدوغ يخاف من جرّ الحبل وقد أكلتها قبل سنة. لن أنتقل الى شركة أخرى فكل شركات النّقال أمينة وطاهرة ولا تسرق الزبائن ولكنني قررت أنني لا أريد جهازا. خذوا هذا الجهاز واقطعوا الخط وأريحوني منه. تكتكت على حاسوبها. تدفع حالاً تسعمائة شيكل. أخرجت بطاقة الفيزا من محفظتي. لا تسرع. يا سيدي كيف ستتصل مع زوجتك؟ وكيف سيتصل بك أبناؤك وبناتك والأحفاد؟ جعلوا ما حدا اتصّل. يا سيدي لا تستطيع أن تعيش بدون الجوّال. أستطيع وسوف أرتاح وأحافظ على صحتي ومالي وأفكّر أن أبيع السيارة وأشتري حمارا فما أحلى أيام زمان. ابتسمت الموظفة الحلوة وقالت: سوف نصلّحه. كم تظنّ أنك ستدفع لنا؟ لا شيء. ما في شي بلاش الا العمى والطراش. قلت لك لا شيء. حسنا لن تدفع شيئا بل سنضيف خمسين شيكلاً على الفاتورة الشهريّة. هل أنت مبسوط يا سيّد؟ وتبادلنا الابتسامات الحلوة والبلهاء. وشعرت أني ربحت أربعمائة وخمسين شيكلاً عدّ ونقدا، وشعرت الصبيّة الحلوة أن زبونا "أهبل" اخر من مئات بل الاف الزبائن دفع وخرج مسرورا فلكل شيء ثمن ولابتسامة الحلوة ثمن أيضا.
