كلمة حق في ذكرى الأربعين

single

*بصماتُكَ محفورةٌ في حياتنا وفي تصرّفاتنا فلَكَ الشكرُ يا معلّمنا   "أبا زهران"*

 

عَلّمتنا يا معلّمنا الودود بأنّ الحياة مليئة بالكثير من الكنوز، ومن هذه الكنوز احترام الإنسان لأخيه الإنسان مهما كبُرَ بجاهه وماله واجتماعيّاته.
علّمْتنا بأنّ الإنسان هبة الله التي لا تُثَمَّن، فالله عزّ وجلّ وهبَنا إيّاها على شكله،  فعلينا نحن المؤمنين به أنْ نقدّر هذه الهديّة التي بدون منَّةٍ،  بأن نحترمها ونُقدّرها ونسعى لإسعادها ومساعدتها ومساندتها دائما وأبدا.
كنتَ حتى ساعاتك الأخيرة تبتسم بصدق الإنسان المؤمن، الذي كان يُشارك بالصلوات الكنسيّة بخشوع وبمخافة الله، تقف تقرأ الرسالة والابتسامة في نهاية القراءة لا تُفارق شفتيك، تقرأها بخشوعٍ احتراما للموقف وللمؤمنين الناصتين والسامعين لكلماتها، كلمات مسيحنا الذي مَسَحَنا ببركاته السّماويّة.
تخرجُ من الكنيسة بعد نهاية الصلاة،  تصافح هذا وذاك وابتسامتك بادية على شفتيك، تُجري حديثا قصيرا مع هذا وذاك أيضا، ثمّ تترك ساحة الكنيسة وتسير إلى بيتك بهدوء، بعد أن أخذتَ زوّادتك التي اعتدْتَ على أخذها من الربّ وشاكرا إيّاه.
عَمِلتَ في سلك التعليم بالبلدة التي لم تُفارقها ولم تُفارق أماكنها المحبوبة على قلبك، إلّا بعد أن قدّمتَ ما يلزم تقديمه كالعبد الصادق مع سيّده، ولكن سيّدكَ لم يكن من هذا العالم، بل هو خالق هذا العالم بكلّ محتوياته.
عَلّمتَني كما علّمتَ الكثيرين من طُلّاب بلدتك الغالية على قلوب الكثيرين من أبنائها البررة، علّمتنا الحرف الأوّل من لغتنا العربيّة بالصفّ الأوّل في أواخر سنوات الخمسينيات من القرن الماضي.
أذكرُكَ في تعليمنا الابتدائي بمدرسة عبلين الرسميّة "ب"، أذكرك وأنت تتحدّث مع زملائك المعلّمين، الذين أعطَوا بسخاءٍ وبدون منّةٍ، ومنهم الذين سبقوكَ إلى دار الحقّ إلى دار الجنّة الخالدة، لأنّهم أخلصوا كما أخلصتَ أنت بتدريسكَ وتعليمكَ لنا.أذكرُ حين كنتَ تسير مع بعض الأساتذة في ساحة المدرسة، تتحاورون وتتناقشون حول أمور اجتماعيّة، وكنّا أحيانا نودّ سماع ما تتحدّثون به، فكان حديثكم عن البلدة والحياة الزراعيّة والاجتماعيّة فيها.كانت البساطة وروح الصدق تسود حديثكم، هذا إضافة على تميّزكم بتعليمنا.
كُنتَ صاحب واجبٍ، إذ كنتُ أشاهدكَ تشارك بالأفراح والأتراح داخل الكنيسة، ونادرًا ما كنتَ تقف في ساحتها لأنّكَ ابن الكنيسة،  فكُنتَ تحترم المقام كما كنتَ تحترم وتقوم بالواجب المُقام في هذا المَقام.نعم كنتَ ابن طائفةٍ لكنّكَ لم تكن طائفيًّا، بل كنتَ غيورا على مصلحة جميع سكان بلدتك، فإنّك مربي الأجيال المُسامح والمُتسامح مع الجميع.
ربّيتَنا على المحبّة الصادقة والنابعة من القلب، بدون غشٍّ أو مُحاباة، عَلّمتَنا بأنّ زوّادة الحياة هي التعامل باحترامٍ متبادلٍ بين بني البشر، لا فرق بينهم بالدين أو باللون أو بالعِرق، فكُنتَ تعمل بتعاليم الإنجيل المُقدّس: أحِبّوا بعضكم بعضا كما أحبَبتكم أنا.
نعم، أحبَبتَنا يا معلّمنا هاني كما أحبَبناكَ في حياتك الأرضيّة ولن نَنساكَ كما لم ننسَ المعلّمين الذين سبقوكَ لمُلاقاة وجه ربّهم وهم مرتاحو البال والحال، لأنّهم ربّوا أجيالا كثيرة بصدقٍ وإيمان، ولم يدّخروا كنزا أرضيًّا سوى رضى الله عزّ وجل وبعده رضانا.
هناك الكثير للتحدّث عنكَ يا مُعلّمنا أبا زهران، ولكن ستبقى ابتسامتكَ تهدينا إلى طريق الحقّ والصواب، وسنراكَ دائما بتصرّفات فلذات كبدك الذين ربّيتهم على الفضيلة والإحسان،  فلِوالدتهم " أمّ زهران " ولهم ولآل زهران الصبر والسلوان كما لنا.
فاسعَدْ بحصّتكَ في جنّة النعيم فأنتَ تستحقّها، آمين.

 

تلميذكَ المربّي جاسر الياس داود

قد يهمّكم أيضا..
featured

رسالة دموية في بيروت

featured

استقدموهم كاحتياط

featured

كفاح العاملين الاجتماعيين

featured

المعارضة المسلحة في سورية مرتهنة لأعداء المستقبل العربي المنشود

featured

95 عاما من النضال الوطني لحزب الشعب الفلسطيني: سيبقى العاشر من شباط.. منارة للأجيال الثائرة

featured

المجاهد الوطني حسن البطة

featured

بوعزيزي الرجل يختلف عن مي فتيحة المرأة