في مستنقع الفقر والحاجة والعوز والجوع، يخرج الظلم في أشكاله المتعددة، ومع اختلاف صوره تختلف أيضًا الاماكن والبيئة والأجواء، ولكن لا أحد ينكر أن من مستنقع الفقر المدقع خرجت الثورات،خرج غضب الانسان على رغيفه المفقود وجوعه وأيضًا على استخفاف قادته السياسيين بمعدته الخاوية وحريته المسلوبة.
اذا كان بوعزيزي الشاب التونسي الذي اهانته الشرطية وصادرت له عربته التي كان يبيع عليها الخضار، لم يجد أمامه وسيلة احتجاج سوى جسده فقام بإشعاله، وكان حرق الجسد مقدمة لثورات ما يسمى الربيع العربي، ولا نعرف اذا كان صدقًا جسد بوعزيزي هو الشعلة، التي حرقت العالم العربي.
بوعزيزي تحول هو وعربته الى رمز للجائعين والمتعبين والفقراء وعلاقتهم مع السلطة الحاكمة التي لا تعرف معنى الجوع، بل هي تتمتع برؤية الجوع والفقر والمعاناة والاهمال، كأن المواطن عليه أن يبقى فقيرًا محتاجًا، فالفقر هو الحبل الذي يربط المواطن في عمود الصمت، والشعور بالعوز والجوع من الثنائيات التي ترتكز عليها الأنظمة السياسية كي تبقى مسيطرة، تشد معدة المواطن متى أرادت، وتفتحها متى ارادت.
الموقف الناري لم يتغير، الجسد المحترق الذي يصارع الموت احتراقًا بائسًا، يدافع عن العربة. "مي فتيحة" مي اسم يطلق على الأم باللهجة المغربية العامية، "مي فتيحة" امرأة توفي زوجها ولها ابنة، لم تجد حلًا لفقرها، سوى بيع الحلوى في منطقة القنيطرة غرب العاصمة الرباط، لكن الشرطي أخذ العربة ورفض ان يعيدها ويعيد الحلوى للمرأة الفقيرة، وقام بضربها، عندما وجدت نفسها وحيدة، يقال اتجهت الى محل عقاقير وابتاعت مادة مشتعلة سكبتها على جسدها واضرمت النيران.
وماتت "مي فتيحة" بصمت دون أن تجد من يثور لها أو ينشر اسمها على فضائيات الاخبار، أو يتذكر أن حرق الجسد العربي أصبح لغة القهر ووسيلة الاحتجاج (قبل اشهر أحرق رجل من قطاع غزة نفسه احتجاجًا على الوضع الاقتصادي الصعب).
"مي فتيحة" امرأة عربية تحتج بصمت، فلا تجد الا حرق جسدها ثمنًا لغضبها وقهرها، لقد تساوت مع الرجل في المعاناة والصراخ والألم، لكن لم تتساوَ معه في الصورة الكبيرة التي عرفها بوعزيزي، ماتت بصمت لأنها امرأة في زمن الوجع العربي المفتوح على جميع الجهات.
** تجارة بالنساء
اكتشفت شبكة للتجارة بالنساء السوريات والعراقيات، في الحروب يصبح كل شيء مباحًا، لأن الاخلاقيات تسقط أمام لعنة القتل والدم، فحين يتحول الانسان الى كائن يعيش بين الخوف والهروب والدمار، بين ارقام القتلى والجرحى، تموت اشياء كثيرة في داخلة، وفي نفوس البعض يستيقظ في اعماقه الجشع والابتزاز وانتهاز الفرص، وتكون الحلقة الأضعف المرأة، هي الميدان المستباح للاغتصاب والقتل والبيع والشراء، تكون المرأة هي مقياس حرارة المعاناة.
مؤخرًا اكتشفت في لبنان شبكة للتجارة بالنساء، قد يكون خبرًا عاديًا في ضجيج الاخبار التي تحمل التوحش البشري، لكن حين نتقاسم القهر، ونرى الوجوه النسائية تطل لتتكلم، نعرف ان التجارة بالنساء كانت عن طريق الفقر، حيث استدرجت النساء للعمل كخادمات في البيوت، لكن يقوم المقاول بسجنهن رغمًا عن ارادتهن وحجز اوراقهن، وارغامهن بالعمل في الدعارة. خبر التجارة بالنساء مر بسرعة في وسائل الاعلام، وحتمًا هناك تجارة رابحة بالنساء في كل وطن يحترق، يحترق بالفقر او بالاستبداد – او في الاوطان المرفهة أحيانًا - لكن سيقف التاريخ العربي الحديث، ويشير الى ان المرأة العربية كانت تحيا بين الاحتراق ورحلات الصيد، صيد النساء وسلخ جلودهن وبيعها في اسواق الدعارة.