دوما كانت منسية، وتذكرها فجأة همج الصهيونية، لأنها قرية فلسطينية عربية صفتها أنها وديعة هادئة ومُسالمة، اليوم أصبحت دوما مضرب الألسن وشبكات الأخبار العالمية، لكن لم تكن حديث الدول الكبرى ولا منصات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، "ولا ديمقراطية الغرب" الحُر، أصبحت اليوم تنزف ألمًا ووجعًا ودمًا وحرقًا، فالموت يرقد في أحشائها، يستوطن بفعل فاعل المستوطنين ودعم أوباش الوزير واليمين، في حكومة الحرب والاحتلال، ليخطف علي دوابشة وأبيه سعد، فيما تئن الأم بين الحياة والموت. كان ذلك في لحظة من لحظات الزمن العابر والتاريخ السائر حتمًا في المواجهة المتواصلة منذ حقبة من السنين الطويلة، بين أوباش الصهيونية الكريهة الأخذة في التوحش الإنساني، وبين شعب كُتب على ان يبقى مستقبله أسير المأساة والجريمة والمجزرة. وفي كل مرة يحاول شعب الجبارين الانبعاث من جديد، رغم ضخامة وكثافة السكاكين الممتدة إلى جسده، الذي يأبى ان يموت ويندثر، وفي كل امتحان يخرج هذا الشعب، وعلامات الشموخ والانتصاب، بل النصر في لهيب النار والموت أكثر ما يمكن ملامسته في وجود أبناءه وبناته، في كثير من الحالات ومن فترة ارتكاب المجازر والموبيقات بحقه، كان الموت يستسلم لحالة الصمود والشموخ والإصرار على ان إرادة الشعب الفلسطيني في كل مرة يتعرض فيها لنكبة أو مجزرة على يد المحتلين الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين، يبرز الفلسطيني بأنه الأقوى، لأنه صاحب حق ولان مكانته وحياته وتطوره يقع ضمن دائرة ضوء الشمس التي أحبها وأحبته على مدار ولادة الشعوب والأمم.
لم يبدأ أرشيف المجازر بحق الشعب الفلسطيني بقرية دوما، ولا بالشهيد الطفل علي دوابشة ووالده وعائلته، فالفاتورة الحمراء متخمة حتى الإشباع من سيلان الدم الفلسطيني المتدفق في كتابة وولادة التاريخ المريع بالدم والدموع، وبالشهادة والشموخ، من اجل تحقيق أفضل الأحلام والغايات الخالدة وأسمى الرايات ليرسم عليها طموحاته وأمانيه وغاياته عالية خفاقة لرؤية علم يرفرف ودولة مستقلة وهوية وطنية وسماء صافية خالية من دخان المدافع وارض خضراء لا مكان للموت والدم والاستشهاد فيها.
أرادت الصهيونية المتوحشة وتلاميذ هرتسل وجابوتنسكي وبن غوريون، بدعم المستعمرين الانجليز والأمريكيين، تحويل حياة الشعب الفلسطيني إلى جحيم من المجازر المتوحشة المتنقلة على امتداد ليس مساحة الوطن المغتصب فحسب، بل تتعداه إلى أوطان الجيران والأصدقاء والعالم اجمع. أرادوا "جماعة الديمقراطية والعالم الحر" من حكام إسرائيل وساسة أوروبا والولايات المتحدة وغيرهم ان يحولوا ويجعلوا ويرتكبوا أفظع الجرائم والمجازر الفردية والجماعية في سيناريو الصراع على امتداد ما يقارب قرن من الزمن العسير، إذ لم يبقَ شيء غير إنساني وحضاري ووحشي وهمجي لم يرتكب بحق الشعب العربي الفلسطيني، من مجازر المأساة والنكبة سنة 1948، مرورًا بمجزرة دير ياسين وكفر قاسم إلى صبرا وشاتيلا ويوم الأرض والقدس والأقصى وأكتوبر إلى مجازر العصر الحديث في غزة والشجاعية وصولا إلى مجزرة آب في دوما والتي كللتها الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل وقطيع المتوحشين من المستوطنين بعملية الحرق والقتل والإبادة لعائلة سعد الدوابشة.
ليتعمق تتر الصهيونية وقطيع المستوطنين، وليفرحوا بملء صدورهم حكام إسرائيل على سياسة القتل والحرق بالأسلوب النازي، وبالانتصار المزيف، فليعدوا مجدهم وليعبدوا ويجددوا طريق الصهيونية، كما هو معبد ومستحدث في المزيد من ارتكاب الجرائم بحق أهل فلسطين الذي سيحاسب عليها التاريخ في الفترة غير البعيدة، فنهاية كل معتدٍ وجزار أصبحت تلوح في أفق العدالة وسماء قوانين الشعوب والبشر. أما شعبي الفلسطيني الحر، أبو الشهادة والتضحيات الجسام، سيهتف مع شعراء الشعب راشد حسين:
مهما أشعلتم من النيران نخمدها
ألم تروا أننا من لفحها سمر
وتوفيق زياد:
هنا على صدوركم، باقون كالجدار، وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، كالصبار، وفي عيونكم زوبعة من نار، كأننا عشرون مستحيل، في اللد، والرملة، والجليل... وفي كل مكان من ارض فلسطين.
إن ارتكاب المزيد من المجازر اليومية من القتل والإرهاب والتعذيب والقمع والاضطهاد والتنكر المستمر للحقوق الجماعية والفردية للشعب الفلسطيني، ومثل هذه السياسة حفظها الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية عن ظهر قلب، بل ويرفضها رفضًا مطلقًا. ومثل هذه السياسة لا تزيد المضطهد والمقموع والمغتصب الا إصرارًا على التمسك الأفضل "الأكثر عدلًا" لحقوقه المشروعة، ولن يتنازل فيها قيد أنملة عن ما هو حق طبيعي وشرعي له.
وهذا فليذهب حكام تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس ومكرونيزيا ومعهم أتباعهم من الا سعود وال الصباح وال حمد وال خليفة وال اردوغان، وكل لصوص الأرض المكشوفين وغيرهم، أعداء الإنسان والإنسانية والشعوب، إلى جحيم الزمن الآتي الذي في انتظارهم لجرد الحساب وتصفية الوجوه وإكمال حكم الزمن والتاريخ، ففي النهاية لا يصح الا الصحيح.
سلام الشعوب بحق الشعوب
دوما بداية لميلاد فجر جديد
(كويكات/ أبوسنان)
