الأسماك الكبيرة

single

في رواية "من قتل بالومينو موليرو" للكاتب العالميّ ماريو بارغاس يوسا يواصل الشّرطيّان المحقّقان سيلفا وليتوما عملهما ليل نهار بمهنيّة لحلّ لغز مقتل الفنّان الموسيقيّ والمغنّي العاشق بالومينو موليرو الذي اعتاد أن يسري ليلًا ويقف تحت شبّاك حبيبته في الظّلام وفي ضوء القمر -  كما فعل من قبل روميو عاشق جوليت في مسرحية وليام شكسبير- يعزف ويغنّي لها ليلة بعد أخرى إلى أن عَثَر عليه راعٍ مشنوقًا على غصن شجرة وعلى جسده النّحيل آثار عنف تشي بحقد القاتل المجرم ودوافعه البهيميّة.
   يشدّنا ماريو يوسا بأسلوبه الشّائق السّاحر إلى الصّفحات الأخيرة من روايته الجميلة بحثًا عن القاتل ويفاجئنا بحلّ لغز قتل الفنّان بارتكاب جريمة مزدوجة يقترفها الكولونيل المتقاعد الذي يقتل بالرّصاص ابنته الشّابّة عشيقة الفنّان وينتحر مباشرة. ويشير يوسا في ومضة فنّيّة من كلمتي "كان يستعملها" إلى علاقة شاذّة سريّة بين الكولونيل وبين ابنته. وعلى الرّغم من مهنيّة الشّرطيّين وقرار المسؤولين إبعادهما إلى مكانين نائيّين بعد كشفهما عن مرتكب الجريمة إلّا أنّ أهل المدينة لا يصدّقون أنّ الكولونيل هو القاتل ويصرّون على أنّ الأسماك الكبيرة تخفي الحقيقة لأنّها تقف وراء الجريمة المثلّثة ويطالبون بمعرفة القاتل الحقيقيّ.
ويكتب يوسا "إنّ أحدًا لا يصدّق بأنّ الكولونيل قد قتل الفتاة وانتحر. يقولون إنّها جريمة من أجل التّهريب أو من أجل التّجسّس وأنّ للإكوادور يدًا في القضيّة".
تقول التّجربة الشّعبيّة: "الوجع ما بوجع إلّا صاحبه" وتقول أيضًا: "من يأكل العصيّ ليس كمن يعدّها" وتقول أيضًا: "إللي إيدي في النّار مش مثل إللي إيدي في الميّ" فمن الطّبيعيّ أن يتّهم الشّعب الأسماك الكبيرة التي نهبت خبزه وغذاءه وماءه وهواءه وترابه وفضاءه وجعلت المواطن العاديّ يهرول طيلة حياته لخدمة رصيدها وثروتها ودفع أقساط المال للبنوك وأقساط العمر أيضًا.
الأسماك الكبيرة هي الشّركات الكونيّة، والخنازير أصحاب مصانع الأسلحة وسماسرتها، وجراثيم البورصة وهلمجرّا، اللائي يتوّجن الملوك ويرئّسن الرّؤساء ويوزّرنّ الوزراء وينوّبن النّوّاب في البرلمانات، ويخترن القضاة للمحاكم العليا، ويعلنّ الحرب ويعقدن المعاهدات، واللائي أوصلن تاجرًا أرعن لم يقرأ كتابًا واحدًا في حياته إلى رئاسة الدّولة الأعظم إقتصاديًّا وعسكريًّا في هذا الزّمان.
 تخطّط الأسماك الكبيرة وتشتري وتبيع وتدفع وتحدّد تسعيرة كلّ شيء وقد يكون السّعر كرسيًّا أو شيكًا أو علبة سيجار فاخرة أو زجاجة ويسكي أسكتلنديّ أو زجاجة نبيذ فرنسيّ معتّق او خبرًا إعلاميًّا أو عارضة أزياء جميلة أو شيئًا آخر لا نعرفه.
والأسماك الكبيرة هي الوسواس الخنّاس للحروب ولانهيار البورصة وإقفال مصانع كثيرة وتفشّي البطالة والعنف والزّنا.
قال لي أحد النّاس أنّه لا يركب الطّائرة مخافة أن تسقط في البحر وتفترسه الأسماك الكبيرة، فقلت له باسمًا: ألا تدري بأنّ الأسماك الكبيرة التي في البرّ أشدّ خطرًا من أسماك القرش.

       

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاستثمار بالعرب، بدلًا من المستوطنات

featured

تَفَلْسُفُ الملوك وتمَلُّك الفلاسفة

featured

ألشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث للمفكر اللبناني كريم مروة *

featured

حماية رسمية لمجرمي الاستيطان

featured

ملاحظات "زْغَيّرة ودْعيّرة"

featured

التخطيط: حق المواطن ومسؤولية السلطة

featured

هدف ذاتي يُحدِث هزة أرضيّة وإعصارًا سياسيًّا

featured

إضاءات ومواقف للمربِّي المرحوم نمر مرقس