نجح الاغتراب، في هذا الزمن للقيط، ان يبسط "جناحيه" حتى داخل أعشاش النفس، و"يهجّج" عصافيرها الوادعة.
ولان هذه الغربة وهذا الاغتراب يولد من رحم ظروف وأحداث قاسية كاوية، ويساهم الاضطهاد في تنامي وتعميق الإحساس الجارح بهما، لذلك أصبح ظاهرة قديمة قدم الإنسان في هذا الوجود.
فمنذ ان تكوّنت المجتمعات الأولى، نشأت معها وفي ظلّها الأزمات التي كانت تتمخّض عن أنواع من الاغتراب عانى منها الإنسان الفرد، في كل عصر زمني وكان لزامًا عليه ان يواجهها على حجم طاقاته وقدراته العادية والروحية، وهذا ما قاده أحيانًا إلى التمرّد أو إلى الاستسلام والانعزال والانكفاء على الذات، مرخيًا سبيل الإحباط، لتتقاذفه أمواجه العاتية في أحايين أخرى.
ولان الاغتراب، كما ذكر الدكتور حليم بركات عملية صيرورية، لذلك أصبح اقتحامه للإنسان يزداد ضراوة وشراسة بصورة طردية. وقد برز ذلك جليًا مع نشوء المجتمع الصناعي وقيام الحربين الكونيتين وما رافقهما من ويلات ومآس، جعلت إنسان عصرنا اليوم مغتربًا بامتياز!! وبنظرة ثاقبة لواقع الإنسان العربي بعامة والفلسطيني بخاصة نرى بان داء الاغتراب أصبح ظله المرافق له انّى ذهب، يسافر معه ولكن بدون حقيبة أو جواز، لأنه يسافر معه داخل نفسه المغتربة.
نعم قارئاتي قرائي، إنساننا يعاني من الاغتراب الاجتماعي والسياسي والمكاني والروحي وهو مأزوم ومصدوم بسبب تراجع قضية الحرية الفردية منها والجماعية، وبسبب تعثّر مشروعه القومي والنهضوي، حيث تسعى قوى رجعية محافظة تعتمد التقاليد الجامدة، إلى إحكام الهيمنة والسيطرة المطلقة على الواحد منّا كمشروع حياة!! مما يجعله بالنتيجة يرى الاغتراب وفقدان الإرادة والمبادرة الذاتية البناءة، ان يرى بهما قدره "ونصيبه" في هذه الدنيا!!! حتى يظل محكومًا بالرحيل والهروب وتأسيس المدن الحلميّة!!
فصباح الخير لكل "جبل" عربي لا تهزّه الريح!! ويرى بكل صخرة لبنة في بناء للحاضر والمستقبل يتكامل مشروعه تباعًا، دون ان يهمّه في "معركة المصير" هذه انعدام تكافؤ قوى الصراع، لأنه يديرها متّبعا خطّة توسيع البؤر الثورية الجماعية إضافة إلى التمرد الفردي مرددًا مع شاعرنا، وأظنه البياتي:
"لن نقلب الفنجان – يا صديقتي – لأننا نؤمن أن الأرض للإنسان"