مثل حرّاث ميعار!

single

أهل ميعار معروفون بفطنتهم وقدرتهم الفطريّة على التندّر والمزاح. يتندّرون على كلّ شيء، وإذا لم يجدوا من يتندّرون عليه من أهل القرى المجاورة تندّروا على أنفسهم. وكان الواحد منهم يضحك ويظلّ يضحك حتى يقلب على ظهره. تحكي إحدى رواياتهم، وهي ثقة بإسناد ميعاريّ معروف، عن حرّاث من ميعار اضطره شظف العيش للسفر إلى كفرياسيف وقت الانتداب ليحرث هناك في أرضها وبساتينها وحقولها وكرومها لقاء ما يسدّ رمق عياله، والعيال تكسر الظهر. وكان هذا الحرّاث يبيت في موسم الحراثة في "برّاكيّة" بين كروم الزيتون. وكان "يركّب" من صلاة الفجر ويظلّ قابضًا على "الكابوسة" حتى تغيب الشمس. لا يختلط بأهل البلد ولا يتحدّث إليهم إلا بمقدار ما تحتاجه ضرورات الحراثة وتوابعها ولوازمها. وجاء في الأثر أنّ هذا الحرّاث كان يعود إلى أهله كلّ شهر مرّة واحدة ليغتسل، وتغسل ابنة عمّه ملابسه، ويقضي حاجته منها في ليلة أو ليلتين بقدر ما تُبقي له الحراثة من حيل، ويتزوّد ببعض الزاد ثمّ يتوكّل على الله عائدًا إلى كفرياسيف. تقول الروايات إنه عاد مرّة إلى أهله في ميعار وقد لوى لسانه وارتخى صوته قليلًا وتحوّلت الذال عنده إلى زاي والظاء إلى ضاد والثاء صارت تاءً، مثلما يلفظها بعض الكفرساويّين. وحين كانت الأمور  تلتبس عليه وتختلط اللهجات في رأسه، مثلما تروي بعض الروايات المغرضة بخبث، كان هذا الحرّاث يحوّل إحدى الثاءين تاءً ويُبقي على الأخرى كما هي إذا اجتمعتا في لفظة واحدة. وقد تجتمعان في لفظة واحدة. كانت زوجته تسمع هذه اللغة الجديدة من زوجها فتضرب كفًّا على كفّ وتقول في عبّها الرجل جنّ. وحين قادته الصدفة إلى مجلس من مجالس الميعاريّين الأقحاح، الغيورين على لهجتهم الجبليّة المفخّمة المجلجلة الذائدين عن حوزة مروءتهم الرجوليّة المشهودة، وأخذ هذا الحرّاث يتحدّث في حضرتهم بلغته الجديدة عن سفراته وجولاته في البلاد وصولاته عند العباد جحظت عيون الرجال وهم يسمعون هذا الكلام الغريب حتى كادت تغادر محاجرها. إي، إلى هذا الحدّ. لا يكفيهم أنه صار يكذب باسم الغربة بل أتاهم بلغة غريبة عن لغتهم. ضربتان في "العنطرة" أصابتا مقتلًا. فصرخوا في وجهه بحنجرة ميعاريّة واحدة: قزّ غريب! فقزّ الحرّاث وغادر المجلس ورأسه في الأرض.
قبل سنة على وجه التحديد جمعني أحد المساقات التي أدرّسها في الجامعة بنفر قليل من طلبة الماجستير والدكتوراة. وحين كنّا نعاين نصًّا لأحد الكتّاب الكبار ونغوص في كلّ مفردة من مفرداته نناقش دور القارئ المبدع في إحياء النصّ قام أحد الطلبة كالمقروص، وكان ميعاريًّا مشرّدًا في وطنه، قطع حديثنا وروى على مسامعنا قصّة حرّاث ميعار والغضب بادٍ على كلّ تضاريس وجهه. روى الميعاريّ هذه النادرة وتيقّن أنّ زملاءه قد فهموا مقصده فلم يزد. ساد صمت مطبق لم يدم إلا دقيقتين. قام أحد الطلبة بعدها وقال، نقلًا عن بعض علماء اللغة والتفسير والتأويل: إنّ هذه النادرة تضرب في كلّ من لملم بضع مفردات من هنا وهناك وجاء خطيبًا في الناس مفتيًا في أمر دنياهم وأحوالهم هاديًا ومصلحًا ومبشّرًا ونذيرًا. وقال: يصير الواحد منهم بطرفة عين مفكّرًا مفوّهًا وناقدًا علّامة بعد حراثة موسمين في بعض المواقع والصحف والكتب العتيقة المترجمة. وقال آخر وكان متديّنًا متنوّرًا: هذا حالنا لا يخفى على أحد، وزاد: لله في خلقه شؤون. بعدها بلحظات نفر بعض الطلبة وقالوا وهم يضحكون: قزّ غريب! أعجبهم التعبير. بعضهم لم يفهم معناه. فحدّثتهم عن جارنا الحاج قاسم حين كان يعلف دجاجاته بقليل من القمح المكسّر، الذي كان يسقط من الغربال، وكانت دجاجاتنا تُغير على دجاجاته لتنال حصّتها من العلف. كان الحاج قاسم يطردها وهو يهوش عليها بعود من الحطب ويقول "قزّ غريب". يومها كنت صبيًّا لم أكن أفهم معنى قوله!
قد يهمّكم أيضا..
featured

لكم جبهتكم ولنا جبهتنا

featured

خطوة لسد الطريق

featured

عرفات جرادات وتوقيت الشهادة

featured

كيف فشل بن غوريون في حملته ضد حزبنا الشيوعي؟

featured

حول خطاب نتنياهو

featured

قارب النجاة وشاطئ السلامة

featured

أبو جهاد لن يشارك نابليون في معركة واترلو