الشهيدان ابو عمار وابو جهاد
التاريخ قد يكون الصفحات الماضية، قد يكون السطور التي تبث الاشارات والارشادات للأجيال القادمة، لكن هناك زوايا في التاريخ لا يمكن أن تنسى أو تتحول الى مسحوق تنظيف ينظف تلك الزوايا، لأن المساحيق لن تكفي وستبقى دائمًا زوايا تعشش فيها غربان الاسئلة.. والتاريخ هو رحم الاسئلة التي غالبًا ما تكون الاجابات هي الأجنة التي تكبر ولكن تبقى داخله.. لا تخرج لأنها أصبحت ملكه، لكن الانسان بصفته الراعي الأول لمعرفة الحقائق، ويطمح لمعرفة تفاصيل التفاصيل، ويسعى للكشف عن المجهول، كي يتفادى الوقوع في الخطأ نفسه لاحقًا، دائمًا هو في حالة كشف وتفتيش وبحث وتقصٍّ والقراءة بين السطور.
في 21 أيار القادم ستقيم بعض الهيئات القضائية واتحاد المناظرات الفرنسية محاكمة للقائد نابليون بونابرت وكيف كانت قيادته لمعركة واترلو.. والعوامل التي ادت الى هزيمته.. لن تكون المحاكمة ليوم واحد بل عدة أيام، حيث سيشترك فيها عشرات المحامين الذين سيدافعون عن نابليون وهناك المدعي العام الذي سيحاول ادانة هذا القائد لمقتل مئات الجنود وإلحاق الهزيمة بفرنسا، وخارج المحكمة سيتم عرض مسرحيات وأفلام تتطرق لتلك المعركة الشهيرة وسيتم قراءة الشعر ومقطوعات أدبية كتبت عن تلك الفترة.
المعروف أن معركة واترلو هي آخر معركة خاضها نابليون ضد بريطانيا وحلفائها، وقد وقعت قرب بروكسل في بلجيكا في منطقة تدعى واترلو عام 1815، ويقال في آخر المعركة أراد نابليون الدخول والقتال لكن أحد ضباطه منعه ولوى رأس جواده عندها قال نابليون قولته الشهيرة (خسرنا كل شيء الا الشرف).
شكلت معركة واترلو هزيمة قاسية للفرنسيين لدرجة أن هناك مثلًا يصفون به الشخص الذي يعاني من الحظ السيئ بأنه: صادف واترلو.
الأنظمة والحكومات التي تفتح ارشيفاتها السياسية لتجيب على الاسئلة التي تدور في رؤوس شعوبها وتقدم الاجابات الشافية، ليست فقط انظمة وحكومات تحترم عقليات واحاسيس شعوبها وتهتم بإبراز الصدق والشفافية وتعرف ان التاريخ ملك تلك الشعوب، بل هي انظمة تعرف أن التاريخ لا بد أن يُكشف يوما ما، ولا يوجد شيء سيبقى في حالة كتمان مهما مرت السنوات، وأيضًا في عملية الكشف هناك بريق انتصار وتفوق ومقدرة ونبض قومي يفتخر به الشعب، واذا كان هناك كبوة وانكسار لا بد من المعرفة الجيدة والمتمكنة لتفادي الكبوة والانكسار في المرات القادمة، وقد تكون تلك الكبوة هي قاعدة لانتصارات مستقبلية .
لكن الارشيفات العسكرية والسياسية في الدول العربية مغلقة بالشمع الأحمر، ممنوعة من اللمس والتجول بين ممرات الشعب، نادرًا ما نسمع عن ارشيفات تسربت لتناقش قضية هامة، حتى الاتفاقيات التي تعقد مع اسرائيل ويتوقف عليها مصير شعوب، الشعب غالبًا لا يعرف التفاصيل مثل اتفاقية كامب ديفيد.. حتى اتفاق اوسلو اكتشف الشعب الفلسطيني أنه متورط في بنوده بعد أن علّمت هذه البنود القاسية على جلده فقد سلبت منه الأرض والحرية وفرضت حواجز على التنقل وغيرها من بنود الذل، وبعد أن وقعت الفأس بالرأس بدأ يعرف تفاصيل الاتفاق، وفي ملحق الاتفاق هناك بنود سرية حتى اليوم لا يعرفها الا القلائل.
تمر هذه الايام 16/4 ذكرى اغتيال أبو جهاد خليل الوزير الذي تم اغتياله عام 1988 في تونس، وسائل الاعلام الاسرائيلية تتبجح في كل سنة وتنشر عن تفاصيل العملية شيئًا جديدًا، من الرصد لتحركات ابو جهاد الى وصول اربع سفن وعدة زوارق مطاطية وطائرتين عمودتين للمساندة، ثم الوصول الى بيت القائد وقتل الحارس الأول ثم الحارس الثاني الذي يدعى"نبيه سلمان قرشان" وتنشر بالتفصيل كيف اطلقوا على أبو جهاد 70 رصاصة اخترقت صدره وصرعته.
كل سنة تضيف وسائل الاعلام وتفتخر.. وتمر الذكرى لدى الشعب الفلسطيني بصمت.. ولم تقم السلطة الفلسطينية أو أي مؤسسة وثائقية بالكشف عن التفاصيل التي يملكونها، وكيف تم التحقيق في الموضوع ومن الذي ساعد رجال الموساد هناك في تونس؟ نعرف أن هناك المئات تم اغتيالهم مثل أبو جهاد، حتى القائد ياسر عرفات الذي ما زال مقتله سرا كامنا، والشعب يخمن ويفسر ويضيف وفي النهاية لا يعرف الحقيقة التي ينتظرها، حتى تحولت المماطلة الى استخفاف بمشاعر شعب.
لماذا يبقى الصمت والتجاهل طريقة للهروب، من حق الشعب أن يعرف وليس من حق أي جهة سياسية أن تخفي أي شيء، لأن رجل الشارع الفلسطيني هو الذي يعاني وليس الجالس في قصره ومنزله الفخم والسيارات التي تمر تحت ظلالة (رجال أصحاب مناصب مهمة).
شتان بين محاكمة نابليون وبين التحقيق في اغتيال أبو جهاد.. لكن لكل شعب "واترله".. فرنسا تريد انصاف نابليون وتقنع التاريخ الفرنسي أن نابليون قاتل بشرف لرفع الهامة الفرنسية عاليًا، ونحن نريد أن ننصف شخصية قيادية مثل خليل الوزير أبو جهاد، ولا ننسى القاتل المغرور والدليل الذي ساعده للوصول الى بيت القائد. الاسرار لم تعد اسرارًا في عالم الفضاء المفتوح، لكن من واجب السلطة الكشف وتقديم كافة التفاصيل ومواجهة تفاصيل الموساد التي تمنح عظام الكبرياء الصهيوني بريقًا كلما شحب لونه.
