ظاهرة الاعتداء على المعلمين

single

تقلقني جدًّا هذه الظاهرة الاليمة التي تتفشى في مجتمعنا العربي في البلاد من الاعتداء الآثم على المعلمين، وانا المعلم المتقاعد بعد 38 عاما من التدريس في مدارس مجد الكروم ودير الاسد ومضى على تقاعدي 13 عاما، ولكنني لا زلت اعيش في اجواء التعليم واراقب عن كثب ما يدور في مدارسنا من تعليم وتربية وثقافة، لأنني مارست هذه المهنة بحب ورغبة وصدق انتماء.
هل نسينا قول امير الشعراء احمد شوقي بقوله: "قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا" ليصبح المعلم دون تبجيل واحترام ومعرضا للاهانات والضرب والعنف في مدارسنا العربية. اين نحن اليوم والى اي حد وصلنا من المس بأقدس المهن واطهرها على الاطلاق، هل هذا هو جزاء المعلم الذي قيل بحقه "اعلمت اشرف او اجل من الذي يبني وينشئ انفسا وعقولا"، وقول الإمام علي: "علموا اولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، وقوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات"، "وقل ربِ زدني علما"، والاحاديث كثيرة عن قيمة المعلم وقدره في ايصال رسالته السامية عبر الاجيال المتعاقبة في حياتنا. يا له من زمن جائر اصبح المعلم عرضة للعنف لمجرد انه معلم يقوم بتربية وتعليم الاجيال تلو الاجيال على مر العصور، لا ذنب له الا انه حمل رسالة التعليم ليخرج الناس من الظلمات الى النور وليس عبثا قيل العلم نور لينير عقول اولادنا بنور العلم والمعرفة ليبدد ظلمات الايام على مسارح الحياة.
وما شدني لكتابة هذا المقال ما جدث في الايام الاخيرة من اعتداء تعرض له مدير مدرسة "ابو وادي" في اكسيفة واطلاق النار عليه وما تعرض له المربي الشيخ اياد طاطور من الرينة من قبل طلاب ومساندة اهال، هل هناك اي مبرر للاعتداء على رموز التربية والتعليم مهما كانت الاسباب والدواعي لذلك، فهل وضع المعلم في قفص الاتهام والحكم عليه بالضرب واطلاق النار بحكم سريع عليه واهانته دون ذنب الا لانه معلم ويعلم اولادنا وبناتنا. وليس معنى هذا انني ابيح الضرب وأؤيده ولا اقدم تبريرا لأي استعمال للعنف او الضرب في الحالتين من المعلم او من الطالب او من الاهالي.
ان هذه الاساليب من الاعتداء على المعلمين وصمة عار في جبين امتنا العربية محليا ودوليا ولا ارضى بهذا العنف بأشكاله، من الاعتداء على رسل التربية والتعليم ورموز امتنا في سلك التربية والتعليم الذين يسهرون ليل نهار في التحضير والاستعداد لكي يعطوا افضل ما عندهم من مجهودات وطاقات ابداعية في سبيل نشأة ابنائنا وبناتنا واعدادهم لمستقبل زاهر، يؤمن حياتهم ويجعلهم رواد هذا المجتمع الذي نصبو ان يرقى الى المستوى اللائق في حياتنا لنصبح في اطار الامم الراقية. من الذي خرّج الاطباء والمحامين والمعلمين واصحاب المهن الحرة، من الذي علم هذه الاجيال التي تعانق السماء في مهنهم ووظائفهم، من الذي اوصل الناس الى مراكزهم الاجتماعية والعلمية والسياسية والانسانية، أليس هو المعلم الذي رعى وعلم وثقف هذه الاجيال من دور الحضانة الى الجامعات ودور المعلمين وغيرها من المعاهد العليا، أليس هم جمهور المعلمين، هل هذا هو جزاء من بنى وانشأ العقول وهذب النفس وثقف الانسان وجعله في احسن تقويم.
اننا شعب لنا اصولنا وجذورنا الحضارية واصحاب علم وثقافة، ولنا دين نطلب العلم من المهد الى اللحد ونطلب العلم ولو في الصين، وعلمنا ما لا نعلم والعلم يبني بيوتا لا عماد لها، وعندنا من العلماء ورجال الادب والثقافة والشعراء والفقهاء نحن اصحاب حضارة امتدت ما بين النهرين ومن النيل الى الفرات ومن المغرب العربي الى مشرقه حتى وصلنا الى الاندلس، ولا يليق بنا ان نهين ونعتدي على رموزنا التعليمية ومعلمينا الذين رهنوا أنفسهم لخدمة ابنائنا ووهبوا حياتهم لاجلهم، يضحون بحياتهم وارواحهم من اجل تعليم هذه الاجيال المتعاقبة على امتداد الزمن. وما ان يصل المعلم الى سن التقاعد الا وهو منهك القوى فاقد لعقله وصوابه وكما قال الشاعر ابراهيم طوقان الذي يرثي حال المعلم: "حسب المعلم غمة وكآبة مرأى الدفاتر بكرة واصيلا، مئة على مئة اذا هي كومة وجد العمى نحو العيون سبيلا، لا تعجبوا ان صحت يوما صيحة ووقعت ما بين البنوك قتيلا، يا من يريد الانتحار وجدته ان المعلم لا يعيش طويلا."
رفقا ايها الطلاب بمعلميكم، رفقا ايها الاهالي بمعلمي اولادكم ولتكن عندكم آليات ومفاهيم للحوار السليم لحل مشاكل اولادكم، بالتفاهم وتبادل الرأي وزيارة المدارس والوقوف والاطلاع على قرب عن تصرفات اولادكم وتعاملهم مع المعلمين وتعامل المعلمين معهم، بكل ما يختص بتواجدهم وحضورهم في المدرسة وتحضير دروسهم واداء واجبهم المدرسي اليومي.
إن المدارس تفتح أبوابها أمام كل الاهالي للزيارة والاطلاع على اوضاع اولادهم والجلوس مع المعلمين والمربين ومدير المدرسة وتبادل الآراء، ونريد ان تبقى هذه الحلقة متواصلة، لان الاهل جزء من العملية التعليمية التربوية، ولتكتمل الحلقة بالتعاون بين المدرسة والاهل ولجنة الآباء الممثلة بالأهل مع السلطة المحلية لمواكبة المسيرة التعليمية في مدارسنا وايجاد الاطر التعليمية المنهجية واللامنهجية، لتلبية رغبات الطلاب وميولهم العلمية والمهنية لتفريغ شحنات الغضب في المدرسة كالرياضة والرسم والفنون والتطوع في المؤسسات المحلية وتعليم قيم العطاء والاحترام المتبادل، وان كل الجهات المختصة معنية بتطوير المدارس وتحسين الاوضاع التعليمية والتربوية على اكمل وجه لما فيه مصلحة ابنائنا وبناتنا على السواء.


دير الاسد

قد يهمّكم أيضا..
featured

الخطوة التالية

featured

ضرب الرمل: العناصر المُقرِّرة في سياسة ترامب الخارجيّة

featured

لا تذهبوا إلى الموت، فلسطين بحاجة إليكم أحياء

featured

العروس الإسرائيلية

featured

فزعنا ففشلنا!

featured

أم الفحم: حذار من الخفافيش الإستخباراتية