عليها، كيف؟ فيها!

single
هنالك شواهد عديدة تشير إلى أن ما يصرح به ليبرمان يمثل موقف عديدين من ساسة إسرائيل وأحزابهم. في طليعة هؤلاء يقف رئيس الحكومة نتنياهو الذي يجانب الصمت بخبث الأفاعي، التي وإن لانت ملامسها، فعند التقلب في أنيابها العطب!
دوافع كثيرة تقف وراء ما يؤمن به نتنياهو ومعظم قادة حزبه، مما أسموه بالـ"خطر الديمغرافي" الذي تشكله الأقلية القومية الفلسطينية في إسرائيل. وهو إذ يستثمر هذا العنوان، المجمِّع أوساطاً عديدة، على المستويين الحزبي والشعبي يهدف إلى أن يصيب أكثر من عصفور بطلقة واحدة.
هنالك تزايد ملموس في وعي واستيعاب قيادات الجماهير العربية لحقيقة الخطر الداهم، جراء ما تؤمن به المؤسسة الإسرائيلية المتنفذة. وما تخططه عملياً من مخططات جهنمية بدأت أجهزتهم بالتدرب عليها.
في العقود الثلاثة الماضية هيمنت شعارات عديدة وعكست روح الحقبة السياسية والخطاب السياسي العربي المحلي الملائم. إلى جانب شعارات كثيرة رفع وردد شعار "الفاشية لن تمر". وها هي عقود تمضي وأخالني أن هنالك حاجة لتغيير الشعار واستبداله "بالفاشية لن تنتصر" لأنها، على ما يبدو، مرت وهي على أعتاب بيوتنا. الفاشية تمر وتتقدم، مما حدا بقادتنا رفع شعار المرحلة الحالية والقاضي بأننا هنا باقون، إما عليها وإما فيها فـ"لا للترحيل" هو الصوت والنداء.
تكمن المشكلة، برأيي، في هوة التباين القائم بين ما بدأت أوساط قيادية واسعة ونخبوية متعددة تستشعره، وبين ما هو قائم لدى عامة الشعب وقطاعاته الواسعة التي تعيش يومها لاهثة وراء لقمة العيش وما يفرضه من متاعب ومشاغل محلية.
لا يكفي أن يكون الشعار السياسي صحيحاً بعين من يرفعه ليتحول إلى طاقة ذات تأثير وواقع سائد. الشعار الصحيح يجب أن يرفد ببرامج عمل من شأنها أن تجند وراءه من باسمهم ولأجلهم رفع الشعار، وكذلك أوساطاً أخرى، إيمانها بصحته وتضافرها معه يكونان كفيلان بالمساعدة على إنجاحه.
فشعار "الفاشية لن تمر" كان شعاراً صحيحاً لكن رافعيه فشلوا في تحقيقه، بواقع ما نقر به اليوم ونلمسه من تحول خطير في السياسة والواقع الإسرائيليين. وشعار "لا للترحيل" شعار صحيح ويعكس تخوفاً وموقفاً من مستقبل أسود نحن على أعتابه، لكن نجاحه غير مضمون إلا إذا راجعه ذوو الشأن والقيادة، بمسؤولية كاملة، وتحققوا من أسباب فشل نضالاتنا إزاء ما عكسه شعار المرحلة السابقة حينما رددنا في كل موقع وساحة "الفاشية لن تمر".
لن يمهلنا التاريخ عقوداً لنتبيَّن بعدها إن أخفقنا أو نجحنا. فالعقود التي انطوت وأنتجت ما نواجهه اليوم من خطر حقيقي، تعمل كمتوالية هندسية متهافتة وتداعياتها على مصيرنا في أرض الوطن لن تستوجب، بالضرورة، عقوداً طويلة ليبان ساعتها أن ترداد شعار "لا للترحيل" لم يكن أكثر من أهزوجة أطربت وأطنبت بعض الحناجر والرقاب. لا وقت للمراوغة ولا هامش للتلكؤ والمغامرة فعلينا أن نجري تقييماً شاملًا، بعيداً عن الحسابات الحزبية/الفئوية الضيقة.
وحدة التصور ضرورية، وحكمة وجرأة القيادة حاسمتان، ولا يتوجب تقديمهما أضحية على مذبح المزايدة.
ماذا نقول؟ ولمن نقول؟ سؤالان مفتاحان، خاصة وأننا نعلم أن هنالك أكثرية واضحة بين الجماهير اليهودية في إسرائيل تؤيد ما يؤمن به عمليا ساستها.
هنالك حاجة لوضع خطة شاملة ومفصلة لبرامج العمل المقترحة وهنالك حاجة لرصد ميزانيات مدروسة وواضحة من شأنها أن تضمن تنفيذ ما يخطط له من نشاطات وإصدارات واتصالات. وهنالك حاجة للاتفاق حول ماهية الخطاب الذي يجب أن نتبناه في وجه هذا الإعصار. بيد أني اعتقد أنه إذا تعذر الوصول إلى اتفاق على خطاب مجدٍ لتحقيق ما نرجو تحقيقه، فلا بأس أن تنفرد مجموعات حزبية وحركية ومجتمعية مدنية بخطابات منفصلة يعمل على تنفيذها بشكل منفرد. للتوضيح، أقول ما قلته بالماضي وخشيت منه، فالمضي دائماً لإيجاد القاسم المشترك بين مركبات هيئاتنا التمثيلية يؤدي مراراً إلى عمليات توفيقية تجعل القاسم المشترك النهائي فضفاضاً يتعسر تحقيقه ويحول دون تجنيد الجماهير وراءه.
الوحدة ضرورية ومصيرية، لكنها إذا تحولت إلى وحدة فوقية شكلية من شأنها أن تضر ومن شأنها أن تحول الشعار الصحيح إلى حداء وأرجوزة. فمثلاً كيف يمكن الإتحاد حول لمن نقول؟ وبعض الأحزاب والحركات بيننا تؤمن أن الساحة الإسرائيلية والعمل اليهودي العربي هو من أهم مقومات النضال السياسي والضامن لإنجاح شعار"لا للترحيل"، بينما تؤمن أحزاب وحركات أخرى أن لا جدوى من التضامن اليهودي، وغيرها يتذرع بصهيونية الطرف اليهودي ويعفي نفسه من العمل في أوساطهم. هذا خلاف جوهري لأنه يحدد الإجابة على ماذا نقول، ولمن نقول.
كثيرة هي القضايا المبدئية المختلف عليها بين مركبات هيئاتنا التمثيلية، ولا أعتقد أن تحييدها جائزٌ إلا إذا آمنا أن الساسة المتنفذين سيقبلون طوعاً أن يكفوا عن كونهم ساسة ويقبلوا أن يتصرفوا كقادة يحرصون على مصير ومستقبل كل الجماهير العربية في إسرائيل.
لكي أوضح ما أرمي إليه أود أن أنهي مقالتي بما سأله الأستاذ الجامعي والسياسي السابق شلومو أفينيري في مقالة نشرتها هآرتس يوم 5.10.2010 حين وجه فيها سؤالاً للجماهير العربية في إسرائيل وقادتها. حينها قال أنه يؤيد حل الدولتين وعلى افتراض هذا الواقع، سألنا ونحن نعرّف أنفسنا فلسطينيين مواطنين في إسرائيل: "هل سنرى دولتنا وموطننا في فلسطين – التي ستكون دولة مستقلة. بالتوازي هل هذا يعني أنه وفي نهاية المطاف سنرى في مناطق سكنانا – الجليل، المثلث، عكا، حيفا، يافا – جزءاً من فلسطين التي ستكون حينها كياناً سياسياً وليس فقط فضاءً جغرافياً؟"
أعرف أن هنالك من سيرفض التعاطي مع أسئلة أفينيري وغيره. وأعرف أن هنالك أجوبة لدى كل حزب وحركة ناشطة بيننا. ولكنني أعرف أن هذه الأجوبة متضاربة ومتفاوتة. وكذلك أؤمن أن إغفال الإجابة على أفينيري وغيره من شأنه أن يضعف نضالنا وراء شعار "لا للترحيل". فما العمل؟ هل علينا أن ننتظر حتى تتفقوا مرة أخرى على أن إسرائيل دولة عنصرية وأن الفاشية على أبوابنا وأن إسرائيل تخطط حقيقة لتهجيرنا وأننا هنا باقون إما عليها وإما فيها؟ نحن نستطيع أن نعمل لنبقى عليها وهذا واجبنا وحقنا. أما فيها فهو ليس خيارنا بل حقٌ ومصير.
قد يهمّكم أيضا..
featured

التعليم بقبضة فاشيّ النزعات..

featured

شبابنا لن يخدم قامعيه!

featured

فريديريك بيشون عن «داعش» وفرنسا - أصل البلاء

featured

نقطة التحوّل المطلوبة

featured

غد الاممية سيشمل البشر

featured

لا وطن للإرهاب ولا مستقبل!

featured

إقترب بزوغ الفجر يا مروان

featured

- الذبحة الصدرية – ANGINA PECTORIS